الصفحة 158 من 168

لم تهبها الحياة عطرا وماء (1)

ولمثل هذا دأب السلف الصالح على كثرة التوصية بضرورة مثل هذا الاختيار، كقول سيد التابعين الحسن البصري:

(اعتبروا الناس بأعمالهم ودعوا قولهم، فإن الله لم يدع قولا إلا جعل عليه دليلا من عمل يصدقه أو يكذبه، فإذا سمعت قولا حسنا فرويدا بصاحبه، فإن وافق قوله عمله فنعم، ونعمة عين، فآخه، وأحببه، وأودده، وإن خالف قولا وعملا فماذا يشبه عليه منه، أو ماذا يخفي عليك منه؟ إياك وإياه، لا يخدعنك) (2) .

إنها الوصية القديمة، ولكن القلوب تغفل، وشهوة الوصول السريع، أو شهوة التكاثر بالأنصار، تلهي، وتدعو إلى التجاوز عن العلم الموروث.

البدعة ضعف أيضًا

وضعف الضعيف يكون من بدعة كما يكون من ذنب، هذا ما تعارف عليه العلماء منذ القدم، حتى إنهم كانوا ليهجرون الأخ الشقيق إذا اعتقد ببدعة، مثل علي بن حرب بن محمد الموصلي، هجر أخاه أحمد بسبب قوله أن لفظه بالقرآن مخلوق، مع ثقته وصدقه، (3) ومع سلامة قوله هذا، واشتهاره عن البخاري أيضًا، ولكنه أنكر عليه لقرب العهد من بدعة خلق القرآن، وأرادوا أن لا يدندن أحد بما يقرب من ألفاظ المعتزلة ويزيد حيرة العامة.

ولكن أدعياء وحدة الأمة في هذا العصر يدعون إلى التجاوز عن معاني البدعة، وسري هذا الوهم الدعاة، واسقطوا أمر البدعة كعامل من عوامل التمييز، فوقعوا في الخطأ.

إنه خلق جميل أن تعطف على المبتدع، وأن تنصره على كافر، وترفع الظلم عنه، وتقف معه في وجه من هو أكثر بدعة منه، لكنه أمر خطر أن تفتح له صفوف الدعوة قبل توبته، وأن تؤمره قبل سلامته، وأن تحبه قبل غسله الأدران التي علقت بعقيدته، فإنه ما أوهى أمر الأمة إلا البدع، كما قال الفضيل بن عياض:

(من أعان صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام) .

وقال: (من أحب صاحب بدعة: أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه) .

(1) ديوان المثاني/81.

(2) الزهد لابن المبارك/26.

(3) تهذيب التهذيب 1/23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت