إن الدعة للأخذ بيد المذنب والعاصي في تصرفاته السلوكية، إذا كان أصل الإيمان في نفسه: أهون بكثير من التعاون مع المبتدعة حال تمسكهم ببدعهم، والمذنب أقل ضررًا من المبتدع من وجوه، منها:
(أن المذنب إنما ضرره على نفسه، وأما المبتدع فضرره على الناس.
وفتنة المبتدع في أصل الدين، وفتنة المذنب في الشهوة.
والمبتدع قد قعد للناس على صراط الله المستقيم يصدهم عنه، والمذنب ليس كذلك.
والمبتدع قادح في أوصاف الرب وكما له، والمذنب ليس كذلك.
والمبتدع مناقض لما جاء به -صلى الله عليه وسلم- والعاصي ليس كذلك.
والمبتدع يقطع على الناس طريق الآخرة، والعاصي بطيء السير) (1) .
من فقه الفضيل في العمل
إن حذرالعمل الجماعي الإسلامي من المبتدعة أصبح قاعدة تؤكد نفسها يومًا بعد يوم.
وإنها لقاعدة قديمة، عمل بها الفضيل بن عياض، وأوجزها في كلمات رائعة فقال:
(لأن آكل عند اليهودي والنصراني أحب إلي من أن آكل عند صاحب بدعة، فإني إذا أكلت عندهما لا يقتدي بي، وإذا أكلت عند صاحب بدعة: اقتدي بي الناس.
أحب أن يكون بيني وبين صاحب البدعة حصن من حديد، وصاحب البدعة لا تأمنه على دينك، ولا تشاوره في أمرك).
إن هذا القول القديم، ترجمة كاملة للمعنى الذي نقصده، ولمبدأ التشدد في الانتقاء، صاغة الفضيل ي مثل من المؤاكلة، تقريبا للفهم.
أستر سمعة الإسلام
فقد بان إذن، أن التشدد في الانتقاء هو الحل الأسياسي للتأمين ضد الاندفاعات العفوية، وإن أجتزاء الحركة الإسلامية مدعوة إلى الاستدراك السريع في هذا المجال.
بل الحق أن الانتقال إلى هذا التشدد ستر واجب لسمعة الإسلام اليوم، كما قال الزاهد الوزير العباسي ابن هبيرة الدوري السامرائي لبعض من يأمر بالمعروف:
(اجتهد أن تستر العصاة، فإن ظهور معاصيهم عيب في أهل الإسلام، وأولى الأمور: ستر العيوب) (2) .
(1) الجواب الكافي لابن القيم/127.
(2) ذيل طبقات الحنابلة 1/274.