ومن أهم أوصاف الستر الذي يطلبه ابن هبيرة: أن تحرم أعداء الإسلام من فرصة الإشارة إلى مثل هؤلاء الضعفاء، والتشهير بالدعوة من جراء تصديهم لأمورها، وكلما دفعت التقي النقي إلى الظهور دون الضعيف والمصلحي والمبتدع: كنت أكثر صونا لسمعة الإسلام.
بل ينبغي ما هو أشد من هذا، فإنه من الواجب على الثقة أن يفوت الفرصة على الضعيف إذا جالسه بقصد أن يقال: جالسه الثقة فلان من الدعاة فهو ثقة، وإنه لو لم يكن ثقة لما جالسه.
وشبيه بهذا ما أخرجه الترمذي عن أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قال:
(كان اليهود يتعاطسون عند النبي -صلى الله عليه وسلم- يرجون أن يقول لهم: يرحمكم الله. فيقول: يهديكم الله ويصلح بالكم) (1) .
فلو قال لهم: يرحمكم الله، لقالوا للمسلمين: لو كنا ضالين لما دعا لنا بالرحمة.
وأيضًا فإن تنظيمنا ما هو بطبيب يداوي، وإنما هو مستدرك يغتنم الفرص قبل أن يحول طول تسلط الطغيان سلبية المسلمين إلى استخذاء دائم، ولذلك وجب عليه الانتقاء والتخير للأذكياء الشجعان، ومنع الجبناء وضعاف الشخصية وقليلي الذكاء من دخوله، توفيرًا للجهود التربوية، وإسراعًا في تحقيق الغايات، مع التعويض بتعاون معهم خارج عن الالتزامات الدقيقة.
وليس في هذا المنع عدوان على هؤلاء كما يظن البعض، ولا بخس لحقوقهم، ولا منع خير، وإنما هو باب من التقوى في أمر الدعوة توجبه المصلحة، وتؤكده التجارب، ولهؤلاء الضعاف إسلامهم، ولا نبخل عليهم بحبة ونصيحة، ولكن أمر الدعوة شديد لا يصلح له إلا الأشداء الأذكياء، فمنعنا تقوى وانتقاؤنا عزم، كما قال الشاعر:
منعت، وبعض المنع حزم وقوة……… صنيعة تقوى تلك ما دمت ناصحة
فبعض المنع، وسد الأبواب بوجه الضعفاء، إنما هو حزم وقوة تحركهما التقوى، من دون غلو في اتهام الناس، أو سوء ظن، أو شطط في التعامل.
أنت يوسف هذه الأحلام
(1) سنن الترمذي 10/198..