الصفحة 16 من 168

وهو كما قال، فإن الذي قلل من سريان كلام ابن تيمية في أوساط العامة هو ما كان عليه أئمة الضلالة الداعين إلى البدع من روعة البيان، ورقة الشعر، وتمكنهم فيه، حتى سحروا قلوب الناس بشعرهم من حيث لا يشعرون، ولم يتهيأ لابن تيمية شاعر مبدع يسانده.

إن للشعر هذه القابلية في إسعاف من يستعمله وتزيين الخطأ أو الصواب، ونصرة الحق أو الباطل، على حد سواء في كل شؤون الفكر وحقائق الحياة، إذ النفس الإنسانية تحب الجمال، والشعر جمال كله، وبإمكانه أن يزيد الحق والصواب نضرة وزهاء ورونقا ووضوحًا، أو أن يخفي ما يشين صفحة الباطل والخطأ والوهم من خروق ونتوء واعوجاج، فينطلي عيبه بالتزويق، ولا يتخلص من أسر الشعر وتأثيره إلا قلب عامر بالإيمان عمرانًا كافيًا.

إن هذه الظاهرة الشعرية هي التي دفعتني إلى الاستعانة بالشعر في هذه المواعظ، ولئن كان يقلل من تذوق بعض الدعاة لهذا الشعر العربي الرصين الواضح الذي اخترته، ما أصابهم من هذا الذي أصاب عموم الجيل العربي الجديد من ضعف الحاسة الأدبية، فإني أرجو أن يكون عملي هذا محاولة للارتفاع بهذا الذوق لدى الدعاة، ولئن كان باعي في الشعر قصيرًا، فإن في إنتاج الثقات غني وبركة، ولئن كان أكثره منشورًا من قبل، فإن في هذا الانتقاء تقوية وحفظًا وترويجًا وبعثًا جديدًا له.

سلف وأتباع

ولنا اقتداء في استعمال شعر الرقائق بالإمام أحمد، فقد كان يحفظ شيئا منه أملاه على ثعلب، الأديب المشهور، وسمعه أصحابه ينشد الشعر، ووقف الشعراء بين يديه أيام محنته يمدحونه، بل تنسب إليه قطعة نظمها في عتاب علي بن المديني حين لم يصبر معه على العذاب (1) .

وقال له أحد أصحابه:

(يا أبا عبد الله: هذه القصائد الرقاق التي في ذكر الجنة والنار، أي شي تقول فيها؟

فقال: مثل أي شيء؟

قال يقولون:

إذا ما قال لي ربي………أما استحييت تعصيني؟

وتخفى الذنب من خلقي………وبالعصيان تأتيني؟

فقال: أعد علي.

(1) مناقب أحمد ابن الجوزي/205.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت