ولا ينطق بكلمة الحق الخالدة إلا عقل مدرك، وقلب سليم، إلا قائل يعتد بنفسه ويثق برأيه، فيرسل الكلام أمثالا سائرة، وبينات في الحياة باقية، لا يصف وقتا محدودًا، ولا أمرًا موقوتًا، ولا إنسانًا فردًا، ولا حدثا واحدًا، ولكنه يعم الأجيال والإعصار، والبلدان والأقطار.
وعلى قدر عظم القائل: تجد هذا العموم في قوله، يبغي أن يجعل كلماته للناس منهاجًا، وفي ظلمات الحياة سراجًا وهاجًا) (1) .
رب شعر يرتاع منه الكلام
ثم إني وجدت بعض الكتب الإسلامية الحركية التربوية قد فصلت بلا مسوغبين النثر والشعر، وحرمت المربين من استعمال مئات الأبيات والقطع من شعر الرقائق، أو شعر الحماسة، أو شعر العقيدة والفكرة، مما قاله ثقات الشعراء القدامي والمحدثين، وشعراء هذه الدعوة المباركة. والمرء ربما (يسمع المعنى نثرًا، فلا يهز له عطفا، ولا يهيج له طربا، فإذا حول نظمًا، فرح الحزين، وحرك الرزين.. وقرب من الأمل البعيد) (2) .
و (أن من الشعر حكمه) كما يقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
(وإنما الوزن من الكلام كزيادة اللحن على الصوت: يراد منه إضافة صناعة من طرب النفس إلى صناعة من طرب الفكر) (3) .
لهذا ملنا إلى إيراد الأشعار، والاستعانة بها في هذه المواعظ، قاصدين أن نضيف إلى المعاني التي يستحسنها فكر الداعية نوعًا من استحسان نفسه لها، ليرسخ المعنى، ويطول تأمله وتذكره.
وليس أدل على أهمية الشعر في نصر العقائد وترويجها ما كان له من دور في إسعاف أهل البدع وترويجها لدى العوام، مضادة لمساعي ابن تيمية وتلامذته عندما انبروا لتفنيدها ودمغها بحجج السنة الغراء.
(ولا ريب أن منطق ابن تيمية القوى أثر أثره، ولكن جفاف المنطق لا يقوى على مقاومة نضرة الشعر وفتنته) . كما شاعر الإسلام محمد إقبال (4) .
(1) الشوارد لعزام/ 340.
(2) خريدة القصر/ القسم العراقي 1/202.
(3) وحي القلم للرافعي 3/285.
(4) كتاب محمد إقبال لعبد الوهاب عزام/52.