وستقوم هذه المواعظ بانتقاء أهم ما تناوله قلم سيد في الفقه الحركي في مختلف المناسبات التي أتاحتها الآيات، مع شرح فقه الظلال بما يماثله مما في كتبه الأخرى، وبما يكمله مما في رسائل المودودي، وبما يكشف عن أصوله عند الصحابة والتابعين وفقهاء الصدر الأول.
وإنما اقتصرت في النقل عن هؤلاء الأفاضل جميعا على ما يحتاجه الدعاة لإتقان عملهم، وما يلزمهم من أخلاق المؤمنين لقطع الطريق، من صبر، وشجاعة، وأخوة، وخوف من الله، ورجاء لرحمته وزهده، وقصر أمل، وطاعة قادة، ثم ما يجب أن يداووه من أمراض القلوب، من غرور، وكبر، وهوى نفس، ونكث بيعة، إضافة إلى بيانهم وجوب العمل الجماعي، وفنونه، وأصول تربية الآخرين.
وهكذا ظفرنا بكل معنى حسن أشار إليه يحيي بن معاذ الزاهد لما قال: (أحسن شيء: كلام رقيق، يستخرج من بحر عميق، على لسان رجل رفيق) (1) .
وأحسبه يعني مثل هذا الكلام الرقيق، الذي استخرجته لك -أيها الداعية- ن بطون هذه الكتب العميقة، وغيري إنما خلطة ما استخرجه من الساحل بما ظفر به من الأعماق، وأبيت أنا إلا أن استخرج لك من الأعماق فحسب، ولم أرض إلا كل نادر بليغ، وستعلم كم من الرفق كانت تحمله قلوب هؤلاء الرجال الذين أهدوا لك ثمرات تجاربهم ونتائج تأملاتهم، فخلدت كلماتهم وسرت في الناس، معلنة عما لها من الاتصال بسند الحق.
(ولن تخلد الكلمة على الأجيال إلا أن اتصلت بالحق والخير، وكان لها من قوانين الله في خلقه سند، ومن إلهامه لعباده مدد.
ورب بارقة يرمي بها سلطان مسلط، أو صنم مشهور، ف تدوي حينا، وتأتلق زمانًا، ثم تصمت وتنطفئ، وتكون كالشهاب يحور رمادًا بعد التهاب، بما كان دويها من صوت الباطل لا الحق، وائتلاف من زخرف الكذب لا الصدق.
(1) تاريخ بغداد 14/209.