الصفحة 19 من 168

ومن عجب أن يجعل البعض اعتماد المؤلفين على النقل من كتب معاصريهم عيبا يعيب به أسلوبهم، ويقلل به من قيمة مؤلفاتهم، ويفرح بمن لا ينقل، ولو كان يصوغ أفكار غيره بألفاظه الخاصة، وهذا إنما مرده: البطر العلمي، فإن الكاتب لا بد له من الاستفادة من مجهود غيره، فيستعير منه الالتفاتة الجميلة، والمصطلح الناجح، والتعبير البليغ، وقد اقتبس السيد في الظلال نصف رسالة الجهاد للمودوي في مكان واحد.

وفي هذه السلسلة كان لابد مع هذا الاستعارة العرفية من أن أتواضع أمام فحول الفقهاء، وقادة الدعوة، وأن أترك لهم التعبير عن أصول العمل الإسلامي، مقتصرا على جمع ما تفرق من أقوالهم، محييا له بالتنسيق، مضيفا شيئا من الفوائد من خلال التعقيب عليه، فأدع الداعية أمام كلام من اتفقت كلمة الدعاة على توثيقه، والقلوب على حبه، بدل وضعه أمام كلام مجهول مثلي، وما أنا بالذي يقرب شأوهم، ويداني فضلهم، وإنما سوغت لنفسي الاستعجال في المشاركة في تبيين فقه الدعوة، وأقحمت قلمي إقحامًا في مجالاته: سدًا لذريعة حرمان الدعاة من معان ألمس لزوم الإسراع في تذكيرهم بها، أنسى بعضهم إياها ما هم فيه من خلاف أو حرص دنيوي، غير المعاني الأخرى التي أوردتها لهم، مما يحتاجون لها في تفهيم الجدد، وتربية الشباب.

وذولك الذي عنيته إذ وصفت عملي بإنه (إحياء) لفقه الدعوة، فهو إحياء لكلام المعاصرين بالتنسيق والموازنة، كما أنه إحياء لكلام أولئك القدماء بالبعث من بعد نسيان، في محاولة اجتهادية تكميلية من خلال الجمع بين الكلامين، نسأل الله تعالى السلامة والصواب فيها.

فلأن شطرًا كبيرًا من هذه الاستلالات يمثل أسطرًا خفية أرجعناها بطول التفتيش والتنقيب في كتب التراث إلى ميدان التداول والمدارسة، أو يمثل أسطرًا مهمة من بين بحوث طويلة للمعاصرين: كان عملنا كالإحياء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت