ومرت الخطة، حتى إن ما نلحظه اليوم لدى بعض المخلصين من ميل إلى العزلة والخوف من التعاون مع بقية المسلمين ليس إلا من آثار هذه التربية، ودليلا على نفاذها، وليس ذلك بمستغرب، فإنها إذا نجحت في إبعاد الكثيرين عن الإسلام، فمن باب أقرب أن تبعدهم عن بعض الإسلام، وتقنعهم بترديد الكلام، والاعتزال، والتماس الحذر من عمل يعرض للمتاعب.
وعندئذ بدأت المرحلة الثانية بعد أن أمنوا، وصارت عملية التحول السريع إلى الجاهلية..
ضرورة الانتشال السريع
يقف الداعية المسلم اليوم كذلك الموقف الذي وقفه عمر بن عبد العزيز، فيحس بوجوب السعي لانتشال الأمة من تيهها الذي تهيم فيه، ويدرك أن لا مناص له من التقدم للأخذ بقيادها وإن أبت، مع ما يكلفه الأمر من التعب والنصب.
فلا ريب أن السواد الأعظم قد انحرف عن غير ما قصد كيد، ولا إرادة سوء، وهم أهل لأن يشاركوا الدعاة في إرجاع الأمة إلى إسلامها، والسير في خط الحركة الإسلامية، والدوران في فلكها، إذا انجلى لهم جانب الانخداع الذي هم فيه.
ثم يقف الداعية وقف أخرى، فيجد أن الأمر كما قال عمر: صعب، قد فني عليه الكبير، وكبر عليه الصغير، وهاجر عليه الأعرابي.
فماذا يفعل؟
أيترك المحاولة؟ أم يؤجل إلى حين؟
كلا.
ليس من ترك، فإنه ليس في منهجه شيء من زيف ولا نقص، وآية كما له هؤلاء الشباب الأحرار الذين يتغنون بالقرآن في عصر المادة والشهوات، والقليل يؤدي إلى الكثير، والصبر مفتاح ما انغلق.
وليس من تأجيل، فإن مرور الزمن ليس من صالحه، وأن الطغيان كلما طال أمده تأصلت في نفوس المتميعين معاني الاستخذاء، ولا بد من مبادرة تنتشل، ما دام في الذين جرفهم التيار بقية عرق ينبض، وبذرة فطرة كامنة.
إنه (ليس أشد إفسادًا للفطرة من الذل الذي ينشئه الطغيان الطويل، والذي يحطم فضائل النفس البشرية، ويحلل مقوماتها، ويغرس فيها المعروف من طباع العبيد:
استخذاء تحت سوط الجلاد.
وتمردًا حين يرفع عنها السوط.