الصفحة 35 من 168

تبلد في الناس حس الكفاح

ومالوا لكسب وعيش رتيب

يكاد يزعزع من همتي…

سدور الأمين، وعزم المريب (1)

ويتهم نفسه أنه لم يكن بليغًا في ندائه، ولكن سرعان ما يحس أنه قد حاز البلاغة من إقطارها، فيعود يسلي نفسه ويجمل عزاءه....

ومن حر شدوي يري في الخريف

طروبا بصحبتي العندليب

ولكن خلقت بأرض بها

نفوس العبيد برق تطيب (2)

لقد تبدلت موازين البلاغة، وافتقد الجيل الأعمال الكبيرة التي يتمجد بها، فصار- كما يقول الرافعي-:

(تخترع له الألفاظ الكبيرة ليتلهى بها) (3) .

ورغم الفساد، فإن الداعية المسلم لن يتخلى عن محاولة انتشال العباد، وإن كل وساوس اليأس من الإصلاح لن تلبث أن تتبدد أمام لحظة انتباه إيماني تريه مكانته المتوسطة لموكب الإيمان السائر. أخذ عن السلف، ولا بد أن يسوق له قدر الله خلفا يتسلم الأمانة منه.

وإنه لموكب لن ينقطع أبدًا، مضى به القول على لسان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين قال: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك(4) .

بل إن وجود العصبة المسلمة في الأرض، الكاملة الدينونة لله، التي لم تتلوث بانحراف عن نهجه، ولا توان عن قصده، هي من سنن الله الكونية التي كمل بها الله سبحانه ميزان ما خلق. ولو افتقدت هذه العصبة لثقل الميزان في جانب، وخف في جانب، واضطرب الكون كله.

لذلك كان وجود الدعوة الربانية في هذه الأرض حتما مقضيا، لن تزول لرغبة طاغية أو اضطهاد من زبانية.

أرأيت لو زالت الشمس من هذا الكون، أو زالت الجاذبية، كم يكون الاضطراب؟

فكذلك وجود دعوة الحق، فإنها الشمس والقمر والجاذبية والماء والهواء من سنن الكون التي يتحتم وجودها، وإلا فتقوم ساعة القيامة، لكنها سنة لا يراها إلا صاحب قلب سليم، كما لا يرى الجاذبية إلا صاحب درس عليم.

(1) ديوان مع الله للأميري/110.

(2) ديوان ضرب الكليم لإقبال/14.

(3) وحي القلم 1/103.

(4) صحيح مسلم 6/52.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت