وهذا مصدر إصرار المسلم على المضي في الطريق، يتعرض لقدر الخير هذا من أقدار الله، يرجو أن يتجلى فيه، فيكون من الفائزين. وأما من أعرض فإن السنة ماضية لن تقف لإعراضه، ويهدي الله لتجلية قدره وسنته قوما آخرين.
وقد أجمل الأستاذ المرشد حسن الهضيبي رحمه الله هذا المعنى، فقال:
(إن أحداث الزمان يجب أن تخضع لكتاب الله وسنة رسوله، مهما تراءى للناس أن الدنيا لا تحتمل هذا الإخضاع، فالدين هو السنة التي وضعها الله للناس كما وضع السنن الكونية الأخرى للشمس والقمر والحيوان والنبات، وكل ما في السماء وما في الأرض وما عليها) (1) .
إن يقول: كما أن للشمس ثباتًا وجاذبية وللأرض مدارًا ودورانًا، فإن للبشر هذا الدين، إن فقده اختل ميزانه، والناظر يرى أبعد من ذلك، ويبصر أن للكون هندسة بديعة، هذا الدين جزء منها، فلا بد أن تمثله جماعة في كل وقت.
وأدرك عبد الوهاب عزام رحمه الله هذه السنة الكونية أيضًا، سنة من لا يبتئس لصولة الباطل، ولا يرده تساقط الشهداء، أو غثاء المتخلفين، فقال:
سنن الله في الخلائق تمضي
لا تني ساعة، وليست تحول
وخلال الأحرار منها، فليست
عن جهاد عن الحق يومًا تزول (2)
وبإدراك عزام لهذه الحقيقية تبين فقهه ووعيه رحمه الله.
إن إسلامنا نبأ عظيم، وهو من مكملات الناموس الكوني الذي يختل بدونه، فلا بد إذن أن يوجد في الواقع، وتمحى الجاهلية ليتم الناموس من غير اضطراب.
(قل: هو نبأ عظيم، أنتم عنه معرضون) .
(وإنه لأمر أعظم بكثير من ظاهرة القريب، إنه أمر من أمر الله في هذا الوجود كله وشأن من شؤون هذا الكون بكامله. إنه قدر من قدر الله في نظام هذا الوجود، ليس منفصلا ولا بعيدًا عن شأن السماوات والأرض، وشأن الماضي السحيق والمستقبل البعيد.
(1) مجلة (الدعوة) عدد 52.
(2) ديوان المثاني لعزام/133.