ولقد جاء هذا النبأ العظيم ليتجاوز قريشا في مكة، والعرب في الجزيرة، والجيل الذي عاصر الدعوة في الأرض، ليتجاوز هذا المدى المحدود من المكان والزمان، ويؤثر في مستقبل البشرية كلها في جميع إعصارها وأقطارها، ويكيف مصائرها منذ نزوله إلى الأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولقد نزل في أوانه المقدر له في نظام هذا الكون كله، ليؤدي دوره هذا في الوقت الذي قدره الله له.
ولقد حول خط سير البشرية إلى الطريق الذي خطته يد القدر بهذا النبأ العظيم، سواء في ذلك من آمن به ومن صد عنه، ومن جاهد معه ومن قاومه، في جيله وفي الأجيال التي تلته، ولم يمر بالبشرية في تاريخها كله حادث أو نبأ ترك فيها من الآثار ما تركه هذا النبأ العظيم.
ولقد أنشأ من القيم والتصورات، وأرسى من القواعد والنظم في هذه الأرض كلها، وفي أجيال البشرية جميعها، ما لم يكن العرب يتصورونه ولو في الخيال.
وما كانوا يدركون في ذلك الزمان أن هذا النبأ إنما جاء ليغير وجه الأرض، ويوجه سير التاريخ، ويحقق قدر الله في مصير هذه الحياة، ويؤثر في ضمير هذه البشرية وفي واقعها، ويصل هذا كله بخط سير الوجود كله، وبالحق الكامن في خلق السماوات والأرض وما بينهما، وأنه ماض كذلك إلى يوم القيامة، ويؤدي دوره في توجيه أقدار الناس وأقدار الحياة.