الصفحة 55 من 168

وقد تبين بذلك أن الدعوة نفسها أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، فإن الداعي طالب مستدع مقتض لما دعا إليه، وذلك هو الأمر به، إذ الأمر هو طلب الفعل المأمور به، واستدعاء له ودعاء إليه، فالدعاء إلى الله: الدعاء إلى سبيله، فهو أمر بسبيله، وسبيله تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر) (1) .

معنى الكفاية

ورد أوهام القاعدين الصامتين

ويتوهم الكثيرون أنهم قد أذن لهم بالقعود حين قرر الفقهاء أن الدعوة فرص على الكفاية، ويختارون أنفسهم في الطائفة المتخارسة، اغترار بأن الدعوة إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين، وليس الأمر كما فهموا، كما هو واضح في النص السابق، فإن لفظ القيام بها يعني حصول الشيء المأمور به في عالم الواقع وتطبيقه واتعاظ الطائفة المأمورة فعلا، فإذا بقيت الطائفة المأمورة سادرة في غفلتها، متبعة لشهوتها، والغة في عصيانها: بقي جميع المسلمين تحت هذا التكليف، وعليهم أن يعينوا الدعاة إلى الله الذين يأمرون بالمعروف ويزيدوا قوتهم، ويكثروا سوادهم، إلى الدرجة التي يكتسبون فيها الهيبة والتأثير الكافي لامتناع الطائفة العاصية من أفراد الأمة عن عصيانها ومخالفتها للشريعة، فإذا امتنعت فعلا لزم وجود عدد من الآمرين الدعاة يديمون حالة الامتناع هذه ، ووسع البعض الآخر أن يسكتوا، أما قبل ذلك فلا، ومن يستطع حالة المسلمين اليوم يجد أن الجهود المبذولة في الدعوة إلى الله، لا زالت أقل من المقدار المطلوب لامتناع من يرتكب المعاصي منهم، ورأس المعاصي: الحكم بغير ما أنزل الله، وبآراء العقول والأهواء والأفكار المستوردة، ومن ثم فإن لا يسع المسلم اليوم أن يقعد عن الدعوة إلى الله، ونصرة الدعاة، والاشتراك معهم في جهودهم لاقتلاع السوء والمعاصي، وأهل السوء والمعاصي، وإحلال الخير، وأهل الخير والتوحيد محل ذلك.

(1) مجموع فتاوى ابن تيمية 15/ 165.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت