فالدعوة إلى الحق والتبشير به: فرع الإيمان بالحق ومعرفة الحق، ولا يتم الأصل بدون هذا الفرع، الذي هو الدعوة إلى الحق والتبشير به بين الناس، ومن لم يأخذ نفسه بحمل الناس على الحق الصحيح، بعد أن يعرفه ويتبعه، فهو من الخاسرين، لأن أمر الله تبارك وتعالى صريح في هذا الآية، وهو التواصي بالحق، والتواصي يحمل معنى الدعوة إلى الحق بكل صراحة وقوة، فإذا عرفت الحق، ورأيت أهل الباطل يزيغون عن الحق، ولم تدعهم إلى اتباع الحق، وتوصهم باتباع طريق الحق الذي هو الضراط المستقيم، والنور المبين، فلا شك أنك من الخاسرين، لأنك لم تنفذ أمر الله، وتتواص بالحق ولأنك أخذت الحق لنفسك ولم تحمل عليه غيرك من الزائغين المنحرفين أو المخطئين التائهين، والمسلم لا يعيش لنفسه فقط، بل يعيش لنفسه وللناس، فإذا أصلح نفسه: وجب عليه إصلاح غيره، والدعوة إلى الإصلاح تشمل الناس جميعا، كل على حسب طاقته، وبقدر نطاقه الذي يحيط به، والنص في هذه الآية صريح، لا يقبل التأويل) (1) .
الداعية مجاهد مهاجر
وبمقابل ذلك، منح الله تعالى المتواصين بالحق، من الأمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، الذين يقذفون بحجج الله وبيناته على آراء العقول الزائغة، أجر وثواب المجاهدين والمهاجرين، فعد الأمر والنهي جهادًا، والثبات على الدعوة هجرة.
وقال ابن القيم: (ولا ريب أن الأمر بالجهاد المطلق إنما كان بعد الهجرة، فأما جهاد الحجة فأمر به في مكة بقوله:(فَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ) أي بالقرآن (جِهَادًا كَبِيرًا) .
فهذه سورة مكية، والجهاد فيها هو التبليغ وجهاد الحجة).
جاهدهم بالقرآن يا أيها النبي، ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
وجاهدوهم بالقرآن، يا ورثة وأتباع هذا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
أي أن نقف لآراء عقولهم القاصرة بالمرصاد ندمغها بحجج من هذا القرآن، فإذا باطلهم هو زاهق.
(1) زاد المعاد لابن القيم 2/58.