الصفحة 86 من 168

أعد سيرة سلفك من الدعاة رحمهم الله.

كانوا أئمة للعامة، يتصدون لإرشاد كل الناس، فيتزايد حب القلوب لهم تدريجيًا، ويرون فيهم القدوة الصحيحة التي لا مطعن فيها، فيتبعونهم، ويمتثلون أمرهم.

هذا الزاهد المشهور بشر بن الحارث الحافي رحمه الله، يعدد ثلاث خصال امتاز بها الإمام أحمد ابن حنبل، وفضل بها عليه، وقصر هو عنها، أحد (أنه نصب إماما للعامة) (1) .

ووصفوا الأوزاعي بأنه: (كان رجل عامة) (2) .

ومثله المحدث الثقة الفقيه أبو إسحق الفزاري، قالوا: كان رجل عامة، وهو الذي أدب أهل الثغور الإسلامية التي في أعالي بلاد الشام والجزيرة تجاه الروم، وعلمهم سنن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وكان يأمر وينهي، وإذا دخل الثغر رجل مبتدع أخرجه (3) .

وخالد بن عبد الله الواسطي، أحد المحدثين الثقات من شيوخ البخاري، وصفوه بأنه كان (رجل عامة) (4) .

فحلل هذه التعريفات، نجد أنهم كانوا دعاة، يعلمون الناس، لم يحملهم علمهم على حصر أنفسهم بين الجدران بل كانوا ينزلون إلى الجموع، ويقودونها في مواقفها السياسية، كما قاد الإمام أحمد جموع الخير في معارضة الجهمية والمعتزلة الذين أرادوا حرف عقيدة الأمة ببدعة خلق القرآن، ونازع الدولة كلها حين أرادت فرض البدعة بالقوة، حتى نصره الله تعالى بالمتوكل، إذ كان المتوكل صحيح العقيدة، فبدل جهاز الدولة، وطهره من المبتدعة، وأخمد أمرهم وكبته.

وإنما نعني بالعامة جمهور الناس، المثقف منهم والأمي، لا الاصطلاح الحادث الذي يعني الجهال.

ولم يكونوا رحمهم الله بالذين ينسون الأعراب وأهل الأرياف حين يقودون أهل المدن، بل كانوا يلمسون أهمية وحدة عقائد ومواقف هؤلاء وهوؤلاء، فيرصدون لهم شيئا من جهودهم وأوقاتهم.

(1) إحياء علوم الدين 2/23.

(2) تهذيب التهذيب لابن حجر 6/241، 1/152، 3/100.

(3) تهذيب التهذيب لابن حجر 6/241، 1/152، 3/100.

(4) تهذيب التهذيب لابن حجر 6/241، 1/152، 3/100.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت