الصفحة 87 من 168

هذا الإمام الزهري زعيم المحدثين، ربي أجيالا من أهل الحواضر الإسلامية، وجعلهم أئمة في الحديث، وما كان ذلك يكفيه، بل (كان ينزل بالأعراب يعلمهم) ، يحفظ من بقي صحيح العقيدة، ويتلطف مع من نجح أهل البدع في حرفه، فيرجعه إلى التوحيد.

وجدد آخرون سيرة الزهري، منهم الفقيه الواعظ أحمد الغزالي، أخو الإمام صحاب الإحياء، فإنه كان (يدخل القرى والضياع، ويعظ لأهل البوادي، تقربا إلى الله) (1) .

ابن تيمية يسوغ العمل الجماعي

وكان هؤلاء الأئمة رحمهم الله أصحاب فقه عظيم، عرفوا المقاصد العامة للشريعة، وجواز -بل وجوب- كل ما يحقق هذه المقاصد وإن لم تنص عليه، وعرفوا أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو وجب، فانخلعوا عن الفردية حيث اقتضى الأمر هذا الانخلاع وتكاتفوا، وعملوا عملا جماعيًا، وأوضحوا في عدد من الفتاوى الواضحة الصريحة شرعية العمل الجماعي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مهما تسمى هذا العمل الجماعي بأسماء مختلفة، كالجماعة، والحزب، والكتلة، وغير ذلك. وإذا كان العمل جماعيا فلابد أن يكون له قائد ورئيس، سواء سمى زعيما، أو مرشدًا، أو رأس الحزب.

وقد تستغرب أشد الاستغراب حين تعلم أن تسويغ إنشاء الجماعات العاملة لغايات شرعية، وتسويغ مثل هذه الاصطلاحات التي تظنها حديثة، قد ورد في كلام الفقهاء والأئمة القدماء، مما يعطينا صورة واضحة عما تحوي بطون الكتب الفقهية من فقه حركي إسلامي مجهول لدينا ينتظر من ينتزعه منها وينشره للدعاة.

اسمع قول ابن تيمية في شرعية العمل الجماعي، مما لا تكاد تصدق أنه من كلام القدماء.

يقول رحمه الله:

(وأما لفظ"الزعيم؟ فإنه مثل لفظ الكفيل والقبيل والضمين، قال تعالى:(وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) فمن تكفل بأمر طائفة فإنه يقال: هو زعيم، فإن كان قد تكفل بخير: كان محمودا على ذلك، وإن كان شرًا: كان مذموما على ذلك."

(1) طبقات الشافعية للسبكي 6/62.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت