والناظر لهذه النكبة يجد أنها ما كانت بدعة عما يصيب الأمم في فترات ضعفها، وتوقعها الكثير من العلماء، وحذروا الأمة وأولى الأمر من وقوعها قبل سنين طويلة من السنة التي وقعت فيها، وهي السنة 656هـ، لما رأوه من تردي أحوال العامة في عقيدتها وأخلاقها، وبعد جهاز الدولة عن الجد والتجرد، وضعف هيمنة الخلفاء، وعزوف جمهور العلماء عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتهائهم بالجدل والمناظرات الجافة الموغرة للصدور (1) .
وقد حاول بعض متأخري الخلفاء إصلاح الأحوال بنظام الفتوة الذي حرف به سيرة كثير من العامة إلى سيرة شبه عسكرية، إلا أن إصلاحه كان مخروقا، لأنه لم يعتمد العقيدة أساسا تربويا لنظامه، فتحول النظام إلى نوع من اللهوى.
وهذا هو الذي يفسر لنا ذلك الذهول الذي أصاب معظم الأمة بعد تلك النكبة، وحيرتهم، ولولا أن أتاح الله للأمة الإمام ابن تيمية، بما أعاده من الثقة، وأوضحه من فقه العمل، لكان الذهول أطول، إلا أن بعض أصحاب القلوب الحية من العلماء كانوا أسرع إلى فهم كلام ابن تيمية، فعاونوه، أو نسجوا على منواله، ورتقوا بعض الخرق الكبير.
ومع ذلك، فيجب أن لا نبالغ في تصوير أثر الاستدراك الذي قام به ابن تيمية وصحبه، فإنه كان محدود الأثر، واستمرت أحوال العامة في التردي، واستمرت تجزئة العالم الإسلام إلى دويلات صغيرة متنازعة ضعيفة.
(1) أشار الغزالي في مواضع من الإحياء إلى مثل هذه الظواهر، وكتب فيها الندوى خلال كتابه (رجال الفكر والدعوة في الإسلام) في طبعته الثانية، ولأكرم العمري بحث في أخلاق العامة آنذاك نشره في مجلة كلية الدراسات الإسلامية ببغداد.