وبعد قرون من نكبة بغداد، استطاعت الدولة العثمانية في عصرها الأوسط، وبمجئ بعض السلاطين الأقوياء الذين تمكنوا من توسيع رقعتها، أن ترث هيبة العباسيين، وتعيد إلى الأذهان معنى الخلافة الأقرب إلى سمتها الأول الذي عهد المسلمون في أواسط الخلافة العباسية، إن لم نقل: سمتها الأقدم من ذلك، واستمرت الدولة العثمانية حتى نهاية حكم السلطان عبد الحميد رحمه الله جديرة بأن يوصف حكمها بأنه حكم إسلامي، على عيوب كثيرة، ونقص في تطبيق الأحكام الشرعية في آخر عهدها، وعلى ظلم من بعض الولاة الذين أساء السلاطين اختيارهم أحيانًا. ولا يقول بخلاف قولنا هذا إلا متأثر بتزييف حقائق التاريخ الحديث، ذلك التزييف الذي قامت به المجامع الاستشراقية والدوائر التبشيرية، واستخدمت فيه عملاءها من الكتاب أو ضحاياها من الذين تقمصهم نوع من التطرف القومي العربي.
وأما النكبة الثانية: فاحتلال الجيوش الإنكليزية والفرنسية لبلاد الإسلامي في الحرب العالمية الأولى، وقضاؤهم على آخر صورة يمكن أن تسمى بأنها إسلامية كما قلنا ممثلة في الحكم العثماني، أو بعبارة أدق: قضاؤهم على أي احتمال قريب لتقويم انحراف الحكم العثماني عن الإسلام، حين حرف حزب الاتحاد والترقي بانقلابه على عبد الحميد، قوانين شرعية كثيرة، وحرف منهاج التربية، وأشاع الطورانية، أي القومية التركية، ورضى السذج من أركان ذلك الحزب تدخل الأيادي اليهودية والماسونية في الحزب وسياسة الدولة.