وكما جعل هولاكو احتلال بغداد هدفا معنويا مهما أراد به كسر معنويات عموم الأمة الإسلامية، فكذلك جعل الحلفاء، أو الإنكليز بالتحديد، أو تشرشل نفسه، احتلال بغداد والقدس هدفا معنويا، مع التركيز على احتلال بغداد بالذات لكسر معنويات الأمة، وإعادة احتلال هولاكو لها إلى الأذهان، كما كشفت عن ذلك البرقيات المتبادلة بين قائد الحملة الإنكليزية لاحتلال العراق خلال الحرب العالمية الأولى، وبين وزارة المستعمرات (1) .
وبرزوح البلاد الإسلامية تحت حكم الجيوش الاستعمارية، أو تحت حكم المماليك الذين نصبوهم ووجهوهم من وراء ستار: عادت الجاهلية إلى أرض البلاد الإسلامية، وضربت أطنابها، وتمكنت من قيادة المؤسسات السياسية، والأجهزة التربوية، والبيوت التجارية والمالية، واستطاعت بذلك من دخول القلوب بالترغيب والترهيب.
وبعودة الجاهلية، عادت الحاجة إلى من يجاهدها ويعيد حكم الإسلام.
مبادرة عاكستها الظروف
وحين أذهلت المخلصين بدعة الانحراف الضخمة التي جاء بها حزب الاتحاد والترقي حاول بعض السذج منهم مناهضتها فورا، ففشلوا، في قصص مشهورة، إلا أن المحاولة الواعية جاءت بعد سنين من بغداد على يد رجل من كبار العسكريين أيام عبد الحميد، ويعرفه العراقيون بالنبل والتقوى والشجاعة، ذلكم هو (محمد فاضل باشا الداغستاني) رحمه الله، إذ أنه أسس مع بعض خيار من أعيان بغداد من آل الخطيب وغيرهم ما سموه بـ (الحزب الإسلامي) سرًا، ونص منهاجهم على مناهضة حكم الاتحاديين، وإعادة الحكم إلى سمت إسلامي شرعي واضح على نحو ما كان سابقا (2) .
كانت مبادرتهم هذه سنة 1913م.
(2) تجد الإشارة خبر هذا الحزب في كتاب (البغداديون أخبارهم ومجالسهم) إبراهيم الدروبي.