الصفحة 10 من 277

وقبل أن أخوض في هذه السورة أريد أن أحدثكم فقط عن النقطة التي ركض فيها العلماء، وأتعبوا خيول عقولهم وكتاباتهم وكلامهم من أجل إدراك سرها، وهي كون القرآن معجزا. فما معنى هذه كلمة الإعجاز؟

اليوم؛ بسبب انتشار الاكتشافات العلمية، وغلبة هذه الاكتشافات والصناعات على عقل الإنسان، فالناس لا يروق لهم إلا الحديث عما يسمونه بالإعجاز العلمي في القرآن، وسأبيِّن خطأ هذه التسمية.

الإعجاز: أساس هذه الكلمة أن الله -عزَّ وجلَّ- لما ألقى هذا القرآن على قلب نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - عن طريق جبريل، قال لهم هذا هو كتاب ربنا وكلام الله، {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6] ، فهذا هو كلام الله، ثم تحداه أن يأتوا بمثله، وهذا التحدي أعجزهم، فسُميت هذه الحالة بالإعجاز إلى يوم القيامة. فهو أعجزهم أن يأتوا بمثله، لا بما أتى فيه من مواضيع، فهو لم يطلب منهم أن يأتوا بأحكام عظيمة، ولم يطلب منهم أن يأتوا بمعان صحيحة، بل تحداهم قائلًا: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} [هود: 13] .

فالشاعر يطرب له الناس وهو يصف وصفًا غير حقيقي يبالغ فيه، كما يقول عمرو بن كلثوم:

ملأنا البَرَّ حتى ضاق عنا ... وماء البحر نملؤه سفينا

فهذه كلمة جميلة طربنا لها، رجل يفتخر أنه صنع فعلًا عظيمًا، قام وقتل الملك الذي أراد أن يزل أمه في قصة معروفة تعرفونها، ثم افتخر وقال ملأنا البر حتى ضاق عنا؛ هل هذا صحيح؟ لا، هذا شعر مفترى، لكنه جليل وعظيم.

فالقرآن يقول: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} ، أي: افتروا كما تشاؤون من المعاني، وهم يستطيعون أن يفتروا في هذا الباب وتحلق أذهانهم في صناعة الشعر الذي قال الله -عزَّ وجلَّ-: {فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} [الشعراء: 225] ، ومع ذلك تحداهم وقال لهم أريد عشر سور مفتريات تبلغ جمال وجلال وعظمة ما أتى به القرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت