قلنا أن ابن عطيّة هو مفسّر أندلسي، وهو إمام عظيم في البلاغة، وهو ينافس المشارقة في الزّمخشري -الزّمخشري من المشارقة-، لكن الزمخشري في تفسيره يهتم بالمعاني وابن عطية من المغاربة يهتم بالبديع، وهذان من مكونات علم البلاغة: البيان والبديع والمعاني، هذه أقسام علم البلاغة.
فقوله {وَهُوَ اللَّهُ} في السموات والأرض أي وهو المألوه المعبود، {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} ؛ أي يستحق العبادة ولذلك ما من عبادة حق تقع في الوجود إلا اذا كانت متوجهة إلى الله، فقال بعد أن فرغ ربنا -عز وجل- من ذكر السماوات والأرض وتنوُّع الأحوال فيها.
القرآن فيه كثير من السور التي يهتم بتنوع الخلق ووحدة الحق، تكلمنا عن سورة فصلت، ما الخيط الجامع لها؟ الحديث عن مراتب المُنكرين للقرآن وتنوّع أحواله، فإذا أردت أن ترى هذا الأمر وهو تنوع الخلق، قلنا الخلق لم يجري على شيء واحد، شيء وهذا يدل على القدرة، ولكن القرآن يقرر وحدة الحق، الحق واحد، فتجد هذا في سورة الشورى، والذي يقول لك أن الله نوَّع الخلق وبالتالي هي حجة لتنوع الحق، هذا ضال، فالحق واحد ولذلك قلنا {عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا} قال ربنا -عز وجل-: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي} كم صراط لله؟ واحد، ودائمًا كلمة السبيل الحق لا بد أن تُنسب إلى الله، والصراط لا يكون مطلقًا إنما نسبة إلى الله أو الاستقامة، الصراط المستقيم، أو الصراط الله، لا يُطلق هكذا فقال: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} سبل الباطل كثيرة، ولذلك لما قالوا له {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ} ماذا رد عليهم نوح؟ {يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
وقوله -عز وجل-: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ} يعني هو المألوه المستحق للعبادة في السماوات والأرض، طيب هذه السماوات رأيناها سريعًا {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} ، ثم جاء ليقول {هُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ} فذكر ربوبيته في قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} هذه ربوبيته، أنه هو الذي خلق وأَوْجَد، وذكر إلهيته في قوله: {هُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ} فهذا هو تمام التوحيد، فلذلك سورة الأنعام هي سورة التوحيد، كما ذكرنا، أعظم ما فيها ذكر التوحيد في كل أنواعه،