ذكرنا لماذا يقدم السماوات عادة على الأرض، ولكن هناك لفتة في الآية التي تُقدم فيها الأرض على السماوات، يجب أن تعتني بها. اللعب يُقدم على اللهو لماذا؟ لأن هذا هو حياة البشر، يكون أمرهم إلى اللعب أولًا، ولا يُقال عن الطفل الصغير يلهو -أي يترك شيئًا مهمًا-؛ لأن الصغير ليس عنده شيء مهم، لأن اللهو هو التهاء فيه التفات، فاللهو يُعاتب عليه العظيم الكبير، واحد ترك الصلاة فلَهَا، واحد ترك خدمة أهله للعب، فهذا لهو، لكن الصغير في بداية حياته لعب، فهذا هو الأصل، أن اللعب بعد ذلك يكبر فيكون اللهو. لكن لماذا يقدم اللهو على اللعب؟ ينبغي أن ترى لماذا في هذه الآية قُدم اللهو عن اللعب. وهكذا.
والقصد في هذا أن الكلمات والشعارات التي يضعها العلماء لا يقبلها أهل البلاغة، لا بد أن يدخلوا في الفرع ذاته ليناقشوه، ولذلك لما وضع الإمام الجرجاني كتابه (أسرار البلاغة) فجاء بلديُّه الزمخشري وطبَّق هذه الأُسس على القرآن، و (الكشَّاف) -وهناك كشَّافان، الكشاف القديم والكشاف الجديد، هذا تجدونه في بعض الكتب وهي قليلة تكشف هذا الأمر، لأن الزمخشري هو جار الله، يعني جاور في مكة، فُسمي جار الله- فأول ما كتب سورة البقرة ثم خرج، وأهل مكة تعلقوا به.
وللناس في التعلُّق مع العلماء قصة، ولا بأس أن نمر عليها للزهد؛ الإمام عبد الوهاب المالكي هذا إمام عظيم، على الرغم أن ابن حزم لا يحترم أحدًا إلا القليل، فهو يحترم عبد الوهاب المالكي ويرى أنه أعظم فقيه مالكي من الأوائل، وهو قاضٍ، لم يكن قاضيًا أولًا ثم ذهب إلى مصر فيُسمى القاضي، فمفاتيح كتب المالكية إذا قيل القاضي فالمقصود به عبد الوهاب المالكي، نحن نفسِّر حتى نفهم القصة. هذا عبد الوهاب المالكي كان في بغداد فهو مشرقي، ومذهب المالكية فيه المشارقة والمغاربة، فكان في بغداد، وبغداد قديمًا متَّهمٌ أهلها بالبخل، فمكث فيها عشرين سنة ثم خرج منها. فقالوا له لماذا تريد الخروج؟ قال شيعت رجلًا البارحة -وجد الناس يمشون في جنازة فمشى معهم طلبًا للأجر، (من شهِد الجِنازةَ حتَّى يُصلَّى عليها فله قيراطٌ، ومن شهِدها حتَّى تُدفنَ فله قيراطان) [1] - فسأل من بجانبه قال له: من الرجل؟
(1) صحيح مسلم: (945) .