الصفحة 110 من 277

قال له: غريب، متى دخل بغداد؟ قال: من ثلاثين سنة، -على فكرة الوحيدون في العالم الذين يضعون أسماء قراهم وبلدانهم على مقابرهم هم الفلسطينيون فقط، وإن لم تصدقوا جولوا في المقابر وابحثوا في كل مقابر الدنيا! -، المهم خرج من بغداد فشيَّعه الناس، هذه على قضية تعلق الناس بالعلماء. فلما خرج جعلوا يقولون له: يعز علينا فراقك يا عبد الوهاب، فقال: يعز عليكم فراقي؟! والله لو وجدت في بلدكم رغيفين في كل يوم ما خرجت، رغيف في الصباح ورغيف في المساء!. فخرج وصار ثريًا، وصار قاضيًا في مصر وفُتحت له الدنيا.

نرجع، الزمخشري لما أراد أن يخرج قال له: لا، لا بد أن تجلس حتى تُتِم تفسير القرآن على هذا النَّسَق؛ وهو تطبيق أسرار البلاغة على القرآن، والزمخشري مثال العلماء يقولون:"تفسير الزمخشري مثل الشعير"، تعرفون الشعير مأكول ومذموم، ففي الحقيقة كلهم يأخذون من الزمخشري، وما تسمعونه مثلًا من كلام ابن القيم، كلام ابن كثير، كلام ابن تيمية في المثل الناري والمثل المائي كل هذا من عمهم الزمخشري!، فلا يستطيع طالب العلم أن يستغني عن هذا الكتاب وعلى ما فيه من الاعتزال، والذي حاول البعض أن يُنقّيه فلم يستطِع، فبقي فيه ما فيه. وأفضل مختصر له البيضاوي على ما فيه من اختصار مُخِل.

فالقصد أن الالتفات هذا من البلاغة، لماذا يقع الالتفات؟ قلنا من أجل ألا تقع السآمة والملل في أن الخطاب يجري على نسق، فانظر إلى قوله: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ} هذا يجعلك تقف، جريان الشيء على وِفق وتيرة واحدة يمنع الفكرة، والدليل الشمس؛ أكبر مخلوق في الوجود الإنساني في الأرض هي الشمس، لأنها تمشي كل يوم لا أحد ينتبه لها، ولكن لو تغيب خمسة دقائق فقط انظر إلى العالم كيف سيتحول!، ولذلك جريان الشيء على وفق السنة المعتادة منع التفكُّر، فالقرآن يريد أن يمنع هذا، يريد أن يقول لك: قف هنا شيء انتبه، وهذا معنى الآية.

فلما قال -سبحانه وتعالى-: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} وهذا التفات؛ لأنه قال قبله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت