الصفحة 113 من 277

ولذلك في الحديث: (وإذا ذُكر القدر فأمسِكوا) [1] ، وهذا من معاني الحديث، -وهذا لم يقله أحد، وأرجو أن أكون قد وُفِّقت إليه-. طبعًا هناك للعلماء تفسير آخر لهذا الحديث، لا نريد أن نقف عنده، لأن درسنا ليس عن القضاء والقدر ولا عن العلم الإلهي. فمن معاني هذا هو هذا؛ وهو أن العبد يُبتلى بأقدار لا يفهمها، ويُسلِّم لها، لماذا هذا؟ لا ندري، وعمر -رضي الله تعالى عنه- بقي يستغفر ويتصدف على اعتراضه على الحديبية، لأنه لم يفهمها، حتى نزلت السورة فصدَّقوا أنها فتح، وكانت هي سبيلًا لفتح مكة كما تعلمون.

فالملائكة -على قُربها من الله- لم تفهم لماذا يخلق اللهُ مَنْ يعصيه، ولذلك قالوا هذه الكلمة ليس اعتراضًا كما يقول بعض المفسرين وحتى بعض المعاصرين، وأخطأ فيها بعض القدماء، قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا} ليس اعتراضًا، الله -عزَّ وجلَّ- مُتكبِّر لا يقبل الاعتراض، نوح -عليه السلام- أخذ ألف سنة إلا خمسين عامًا وهو يدعو إلى الله، ولم يعترض {فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} ، ومع ذلك قال له: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} هذه تُقال لمن؟ للحبيب، لأولي العزم من الرسل، وأول أولي العزم من الرسل الذي مكث ألف سنة إلا خمسين عامًا وهو يدعو إلى الله، ويصبر على أذى قومه، ويناجي ربه ويعبده حق عبادته، ثم يقول له: {فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} ، الله -عزَّ وجلَّ- عظيم متكبر، (العزة إزاري، والكبرياء ردائي) . أيهما أعظم الإزار أم الرداء؟ الرداء لأنه مظهر علوي، والكبرياء رداء الله، فهذه لا يُنازع فيها.

الله -عزَّ وجلَّ- يحب أن تكون عبدًا، ما معنى عبد؟ تقول عبّدت الطريق، ممنوع الاعتراض، يعني الطريق غير معترضة، ما فيها حفر، ما فيها مطبات، ما فيها حواجز، مُعبَّدة، فالله لا يحب لا الحفر ولا العوارض ولا الحواجز ولا المطبات، يجب أن تقبل أقداره بالصبر والتوكل كما أنك تقبل شرعه، وكلاهما حكمه، وكلاهما في سورة واحدة وهي سورة يوسف، الحكم الإلهي والحكم الشرعي، بقول يوسف -عليه السلام-

(1) صححهُ الألباني في صحيح الجامع: (545) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت