الله الذي يترتب عليه إلهية الله، بمَ استحق الله -عز وجل- الإلهية؟ بالربوبية، يعني لماذا أنت تدعوه؟ لأنه الغني، هذا من ربوبيته. لماذا أنت تشكره؟ هذا الشكر من تعبُّدك، دعاؤك هذا من تعبدك، فأنت تشكره لأنه ربٌّ لك، هو الذي أعطاك ورزقك وأمدَّك، فالإلهية مترتبة على الربوبية، واستحق كمال الألوهية لأن له كمال الربوبية.
من أجل هذا السورة القرآنية مركَّبة للحديث عن هذين الأمرين، فأنت تعجب كيف يضع القرآن -وقضايا الإلهية كثيرة منها الحديث عن الرسالة-، لماذا يضع هنا كلامًا عن عظمته وعن فعله وعمَّا يُجريه من النِّعم، ثم يأتي كلام عن إلهيته؟ وأنت لا تدري، حتى إن بعض المفسرين يُخطئ كيف ينقلب هذا حديثا عن ألوهيته وهو لا يدري.
واحتجاجنا كثير بسورة النحل وهي بلا شك كما سماها ابن القيم (سورة تفصيل النِّعم) ، فانظروا إلى عجب مزج قضية الإلهية مع قضية الربوبية، هذا يجب أن تنتبه له في بناء السورة القرآنية، في سورة النحل في أول صفحة -وهذا كثير وفي البقرة كذلك، ولكن أنا أتيت بملحظ مهم جدًا اخترت النحل لمقصد-، انظر إلى ذِكر النعم الإلهية: {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ} ، {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} ، {خَلَقَ الْإِنْسَانَ} ، {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا} ..
القرآن لا يذكر النِّعم إلا وفيها مقصد الجمال مع مقصد العدل؛ فالقرآن كتاب العدل والفضل، ليس فقط في الأحكام كقوله: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} هذا في الأفضلية في الأحكام، كذلك في الخلق والتقدير يكون ذكر العدل والتمام مع ذكر الجمال والمزيِّن، انظر ماذا قال عن الأنعام: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ} ؛ هذا مقصد أوَّلي هو مقصد العدل، ويقول بعدها: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ} هذا شيء آخر! ليس فقط تأكل وتشرب ولكن أيضًا فيها جمال وزينة إلى آخره، وهذا ليس مما يُعاب، وإذا ذكر أمر في القرآن على جهة الِمنَّة الإلهية دلَّ على جوازه، وهذه قاعدة أصولية وليست قاعدة بلاغية، فما معنى المنة إذا لم يكن جائزًا؟! فحين يقول: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ} فهذا من باب المنة والعطاء،