ويدل على الجواز، هذا باب أصولي يذكره الأصوليُّون في كتبهم.
نرجع إلى ما نحن فيه، الحديث عن الربوبية، عن الخلق الإلهي، فورًا وإذا القرآن خرج بشيء آخر، انظر إلى قوله: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} ، عن ماذا يتحدث هنا {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} ؟ يتحدَث عن شرعه، هذا ليس حديثًا عن خلقه. ويظن البعض أنها حديث عن النعم، أنها وصف لما خَلَق {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} ؛ يعني لو لم يقرأ المرء في كتب التفسير لظن أنها ضمن السياق وهو حديث عن النعم، وهذا ليس حديثًا عن النعم بل هو حديث عن الشرع، وحديث عن القرآن، وحديث عن قصد السبيل، أي السبيل الذي يوصلك إلى مقصدك وهو القرآن، وهو الشرع. {وَمِنْهَا جَائِرٌ} أي الذي يخالف قصد السبيل، هو حديث آخر، رأيتم كيف تُبنى السورة! فإذًا هذا هو تركيب السورة.
اذهبوا إلى سورة الروم مثلًا، وسورة الروم كذلك هي سورة النعم، اذهبوا إلى آخرها لتروا كيف يُوضع موضوع الرسالة والإلهية في خلال الحديث عن قدرة الله؛ لأن هذا هو الموجِب، بمَ استحق ربنا العبادة؟ لأنه هو الرب.
انظر هذه الآيات، انظر هذا الموضع، تأمله اسرح بذهنك مع هذا العطاء الإلهي!، الحديث عن الرسالة يتعلق بالشرع: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ، ثم جاء: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا} انظر إلى هذا الموطن بين علمين من أعلام الِمنَّة الإلهية في قوله بعدها: {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ} ، عاد لذكر النعم.
حديث عن الخِلقة والعظمة وعن المنة الإلهية يتخلَّلها حديث عن الألوهية، السورة القرآنية بناؤها هكذا، ما من سورة من السور التي تُفصِّل، حتى السور القصيرة {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ} لا بد يعقبها حديث عن الشرع، {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ} ، {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ} ، فيها كلها بعد ذلك