تجد حديثًا عن شرعه، هذا لا بد أن تفهمه، هذا يجب أن يفتح لديك علمًا عظيمًا في كيفية تناسق السور، وسورة الأنعام غنية بهذا، القرآن لا يقول سؤالًا وجوابًا، ولا يضع عناوين جانبية؛ لأن القرآن يمتحن قارئه، يريد منه أن يُعمل عقله، لا ينفع هذا القرآن أن تهذُره هَذْر الشِّعر.
قال -سبحانه وتعالى- بعد أن تحدّث في هذا المطلع الجليل، وقلنا أنَّ أجلَّ ما في السورة مَطلعُها، لأنها هي التي تريد أن تَجْبَهَك في عِظَم ما تقول وما تتكلم، مع ما في هذا المطلع من الجلال الذي يغشى القلب عظمة، والجمال الذي يغشى القلب متعة، الجمع بين العظمة والمتعة هذا هو شأن القرآن.
هناك كلام تتمتع به وهو كالعلكة، هناك بعض العلوم كالعلكة؛ بداية ما تأكلها تكون حلوة ثم تصير بلا طعم، بعض الكلام هكذا، وبعضه بلا طعم من بدايته.
قوله تعالى بعد أن ذكر ما ذكر، وهذه مقدمات للعبادة: {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} ، {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} ، فألقوا بأسماعكم وانتبهوا مع من تتعاملون، وأنه -سبحانه وتعالى- لا يخفى عليه شيء، الآن جاء دوركم، جاء أمر العبادة وهي فِعل العبد تجاه ربه.
قال: {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} .
قلنا أن هذه السورة سورة مكية فالحديث عن واقع موجود تتحدث عنه الآيات القرآنية بمن تتحدَّث معه وهم يسمعون.
قوله هنا: {آَيَةٍ} ؛ الآية أصلًا هي الدلالة، والشيء لا يكون دليلًا حتى يكون بيِّنًا؛ الشيء قد يكون خفيًا ولكن الآية يجب أن تكون بيِّنة واضحة، وكلما كانت الآية عظيمة كانت دامغة يراها الصغير والكبير، وكلما كانت آيات القرآن دامغة كانت عظيمة -وهنا المقصود الآية الشرعية-، ومن هنا قالوا أن (الآية) معناها الشيء العظيم، والأصل أن يُقال أن الآية هي الدلالة، ولما كانت آيات القرآن لها دلالات عظيمة