فلو أراد الخروف أن يأكل؛ لا يتكلم بكلام مبين، لو أرادت دابة أن تشتكي ظلم صاحبها؛ لا تتكلم كلامًا مبينًا.
ولما جاء الفلاسفة من أجل أن يفرقوا نوع الإنسان عن بقية هذه الأنواع المخلوقة في الوجود قالوا:"الإنسان حيوان ناطق"، يعني أن الإنسان له خصيصة واحدة تفرقه عن الحيوان هي أنه يتذوق الكلام، وحين يتكلم؛ يتكلم بكلام مبين، وكلما ارتقت إنسانيته، وكلما ارتقى علمه، وكلما ارتقت بشريته التي تميزه عن بقية الخلق؛ كلما ارتقى بيانه.
من أجل هذا قال شيخ الإسلام بن تيمية -رحمه الله-:"كلما اتسع ذهن المرء اتسعت عبارته".
فإذا أردت أن تخوض في غمار العبودية لله؛ لا بد أن تُنمي هذه الذائقة البيانية التي جعلتك إنسانًا (البيان) . والله -عزَّ وجلَّ- يقول: {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الفرقان: 44] ، وبين البهيمية والإنسانية مفاوز عظيمة، فيمكن للإنسان أن يكون فيه بعض البهيمية وبعض الإنسانية، لكن ليتخلص كل يوم من هذه البهيمية، وليرتقي في درجات الإنسانية في عبوديته لله؛ لا بد أن ترتقي ذائقته البيانية من أجل أن يدرك معاني القرآن وإعجاز القرآن.
ونحن في هذه الأيام ربما يخطر على بالنا خاطر يقول: نحن اكتشفنا من معاني القرآن ما لم يعرفه الصحابة، يعني عندما تأتي: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام: 125] ، مَنْ مِنَ العرب يعرف أنه إذا ارتقيت في المرتفع ضاق صدرك لقلة الهواء؟ فقد يقول البعض: نحن نعرف تفسير هذه الآية أكثر من الصحابة. وحين يأتي قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ} [البروج: 1] ، ويتحدث علماؤنا عن البروج بما وصل إليه العلم الآن؛ وجزاهم الله خيرًا، وجهودهم مشكورة وعظيمة وعلى الرأس والعين، وقد ردت إلحاد الملحدين، وأعادت قوة اليقين إلى قلوب المسلمين، كل هذا جيد.