أسواقنا ولا في أماكننا ولا في بيوتنا"، هذا إعراض، لا يريدون السماع."
والإعراض يأتي كذلك بعد أن يعرف الحق فلا يقبله.
فالآية أولًا إما أن يأتيهم يقرأها فيضعون {أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ} ، ما قال: (رؤوس أصابعهم) وهذه من البلاغة القرآنية، هذا من إطلاق الكل على الجزء. فهؤلاء لا يريدون أن يسمعوا مخافة أن يتأثروا به أو أن يقع في قلوبهم وهم لا يريدون لقلوبهم أن تخرج عن إرادتهم، هو لا يريد لقلبه أن يحب من يبغضه، ولا يريد لقلبه أن يستمع لمن لا يحب الاستماع له، هذا منتهى الإعراض، قالوا: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} .
من أعظم ما في القرآن لأهل الدين هو كشفه لأعداء الدين، ما من أمة تعرف أعداءها كما يعرف أهل الإسلام أعداءهم إذا أخذوا بالقرآن، نحن دائمًا نحسن الظن بأعدائنا لأننا لا نرجع للقرآن! الناس كلهم يُعطون الأعذار والقرآن يقول: ليس هناك أعذار. نحن نقدم الأعذار دائمًا لأعدائنا؛ يقال لك: أنت لم تتعامل معه بحكمة، أنت كان دليلك ضعيفًا، أنت كذا، أنت دائمًا الملوم، وكان هذا الشعور يعتري سيد الخلق محمدًا - صلى الله عليه وسلم - {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ} ، فقال له: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ} كما في الأنعام، فليست المشكلة منك، ليست المسألة أنهم لا يسمعون، وليست المسألة أنهم يجهلون الحق بل هم يعرفونه، فهو يكشف حقيقة الأعداء كشفًا بيِّنًا، ونحن أبعد الناس عن هذا في هذا الزمان، القرآن يقول: {وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ} ، ما قال: (مبصرين) ، وأول ما يخطر على بال القارئ أنها زيادة معنى؛ زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، زيادة حرف الصاد هذا المُسَهَّل فجاء دلالة علة أنهم تغلغلوا في الحق حتى أدركوه ربما أكثر من أهله، فقال: (مستبصرين) . وما قال الله: (وهم يصرخون) قال: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ} فدل على غاية الصراخ والتعظيم، كلما عظمت الشيء زدت على مبنى الكلام حروفًا ليدل على العظمة المناسبة له.
وبهذا نتوقف، وبارك الله فيكم، والحمدلله رب العالمين.