وهذه للأسف يقولها الناس:"لو كنت نبيًا ما صدّقتك، لو كنت نبيًا ما اتبعتك"وهكذا، هذه كلمات كفرية تُخرج المرء من الملّة؛ لأنه لو كان نبيًا لوجب عليك اتباعه، فتقديرك بأنه لو كان نبيًا ما اتبعته تقدير بأنك ستفعل الكفر، وإذا أراد المرء بقلبه أن يفعل الكفر فقد كفر بسبب إرادته.
فإذًا أولًا الإعراض، رأينا حاله، ثم ثنَّى -سبحانه وتعالى- {فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ} جاء التكذيب، وهناك شيء عند أهل العلم يسمى بكُفر المآل، قلنا سابقًا عن المعاصي أنها بريد الكفر؛ بمعنى أنها طريق توصل لها، قال تعالى في سورة الروم: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ} ؛ كان عاقبة الذي تلبَّس بالمعاصي فأكثر منها ويعيش معها ليل نهار، النتيجة أنهم {كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ} ، ثم نتيجة أعظم {وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ} النتيجة هي الاستهزاء. وهذه الآية كذلك فيها الاستهزاء.
وهذا نراه؛ رجل يأكل الربا في الأول يقول:"والله يا شيخ حرام شو بدنا نسوي"، هذا يُرجى له النجاة، يفعل المعصية، مسلم يصلي لكنه عاصٍ يُرجى له المغفرة والنجاة بالتوبة، لكن بعد أن يأكله ويَسْتمرِئَه يقول:"إي والله حياة بدون ربا ما بتصير، أصلًا الربا هو عماد الاقتصاد يا جماعة، تصور الحياة من غير هذا الربا والبنوك"؛ هذا كفر وخرج من الملة لأنه استحلّ الربا، فالمرتبة الثانية بعد أن عاشها واستمرأها وصار يتعامل معها، فالنتيجة أنه صار يدافع عنها، فهذا بإجماع الملة كفر.
بعد ذلك المرتبة الثالثة يقع في الاستهزاء، يصير يستهزئ، ويقول:"مجانين شوف شو بدهم، قال بدهم يصلحوا العالم بالنظام الإسلامي، هو أصلًا في الإسلام في نظام تجاري؟ شوف العالم كيف صار بالربا"، فيستهزئ، فهذا خرج وابتعد.
فانظر هذه الآيات كيف ترتب واقع الناس، ودائمًا انتبه لترتيب الكلمات ترتيبًا واقعيًا تلائم حال الناس، القرآن يبيّن المراتب التي يفعلها الناس مع الإيمان ومع الكفر، فقال سبحانه: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى} ؟ فالنتيجة: {أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ} ؛ فأولها الإعراض، والإعراض لا يدوم، لا