الصفحة 137 من 277

فقوله: {فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ} هذا دليل أنه جاءهم، فإذا كذبوا بالحق دون أن يأتيهم فهؤلاء ليسوا مُعَذَّبين {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} .

قال -سبحانه وتعالى-: {فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} .

هل الله يُفاجئنا بأحكامه وأقداره أم أنه يُقدِّم لنا المقدمات حتى تنقطع الحجة؟ فلذلك انظر إلى قوله تعالى في سورة الأعراف عند ذكر أصحاب السبت {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ} ، وانظر إلى مطلعها قال: {وَاسْأَلْهُمْ} ، ما قال: (واتلُ عليهم) ؛ لأن الحديث عن أجدادهم، فكأنه يريد أن يُبكِّتَهم ويُذكِّرهم بمهانة أجدادهم وأنهم فعلوا فِعلهم، فقال: {وَاسْأَلْهُمْ} ، كأنك تقول لرجل:"ذكِّره"، يريد أن يُحقّرهم، {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ} .

فانظر إلى مراتب الفعل، قال -سبحانه وتعالى-: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ} والنسيان هنا على معنى الإعراض، -ولا أريد أن أقف عند كل معلم من معالم العظمة والبلاغة في هذا الكتاب فهذا يطول، ولكن يكفي أن نشرح ما نحن فيه-. فقال: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} ، ما هي المرتبة الثانية؟ {فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ} ، ومعنى (عَتَوا) أي ازدادت صلابتهم في فِعل المعصية، فلما ازدادت صلابتهم في فعل المعصية قال: {فَلَمَّا عَتَوْا} رأيتم؟ في الأول عذاب ونذارة، إلخ، مراتب إقامة الحجة، ولكن لما عتوا أي ازدادت صلابتهم في الباطل وفي المعصية التي يقترفوها قال: {لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} .

فالعذاب لا يأتي مرة واحدة، هكذا يُخرج لهم من أجل أن يُقيم الحجة عليهم، والله -عز وجل- يُحب الإِعذار، انظروا في آخر سورة الأنعام: {أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ} ، بمعنى لا تأتي يوم القيامة تقول: هذا الكتاب ما أُنزل علي، أنا لا أعرفه، الكتاب أُنزل على اليهود والنصارى. {وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} ، قال: (حُجَّة) مُنكَّرة هنا علامة أنها مُستغرِقة ومُطلقة تستوعب أي كلمة يصلح عليها إطلاق كلمة الحجة أمام الله. لا أحد يأتي يوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت