الصفحة 14 من 277

فهذا الذوق مع القرآن لا يصنعه هذا الذي تجدونه اليوم، ولذلك قاعدة العلم أن"علم السلف أجل وأعظم وأشرف من علم الخلف مهما كان"صحيحة. مهما رأيت العلم كثيرًا ومؤثرًا؛ لا يمكن أن يصنع ما صنع قلب السلف بالتعامل مع القرآن.

فالسؤال: ما الذي صنع هذا الصحابي لئن يكون كثيرًا في عبادته ممتثلًا لأوامر الله، متبعًا لما يقوله القرآن، متلذذا به، يسمعه فيطرب له، بل يسمعه فيسجد، وهذه سأبينها:

العرب كانت تسجد للعظماء، وبعض الناس يظن أن أعظم ما كانت تسجد له العرب هي الأصنام، وهذا غير صحيح؛ إن أعظم ما كان يسجد له عظيمٌ عربي هو البيان، فيقال: هذا كلام يُسجد له. ومن هنا لما سمعوا كلام الله ورأوا عظمته؛ سجدوا له دون أن يشعروا.

ولذلك هذه الدعوة وهذه الجلسات التي نجلس بها هي محاولة لتقوية هذا الذوق، ولا تظنوا أننا قد فقدناه بالكلية، فما دام أنك مسلم، ولم تعش في بيئة الغرب؛ فما زالت ذائقتك حية. وهناك فرق بين أن تموت فيُقال:"ما لجرح بميت إيلام"، فيكون الكلام مقرورا لا قيمة له، وبين أن أوقن بأن هذا الكلام هو لمادة ضعفت لكنها يمكن أن تقوى. هل الميت يمكن أن يعود؟ لا، لكن هذا الذي فيه دوخة أو سكران يعود إلى صحيانه.

فنحن إلى الآن نعرف قيمة الكلمات ونتذوقها حتى لو لم نقف، فهناك فرق بين الوقوف على الشيء وتذوق الشيء، وأضرب على هذا مثالًا -غربيًا-: هل نيوتن هو الوحيد الذي رأى تفاحة تسقط من الشجرة، أم رآها كثير؟ كلهم يعرفون أن التفاح لو سقط من الأعلى يجب أن ينزل إلى الأسفل؛ ولكن الفرق بين العالم وبين غيره هو أن العالم يوقف الحركة أمامه، ويبدأ بتشخصيها، وغيره ربما تقف عنده لحظة ويمشي، تأخذه الدنيا أو يأتيه شيء آخر ويمشي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت