ما الفرق بين رجل يقف أمام لوحة جميلة أمامه ويتأملها، يرى كيف أن الفنان قد رسم الشمس هنا ثم الظلال هنا ثم كذا، والآخر يمر عليها ويقول:"جميلة"، ويمشي ولا يدري؟ ففي قضية الجمال والتذوق لا بد بأن تكون عالما بمعنى التذوق من أجل أن تطبقه.
واحد فنان كان له سمة جميلة وخصلة جيدة، فكان يأتي بعد أن يرسم اللوحة فيضعها على رأس الجسر ويختفي وراءها، حتى يسمع ما يقول الناس فيستفيد منه من أجل إصلاح لوحته، ويعرف قيمته من رؤية الناس. فمرَّ رجل يشتغل في تصليح الأجهزة ووقف على اللوحة، والكندرجي عادة ينظر إلى الأحذية، فهو نظر إلى اللوحة وأول ما وقع بصره على حذاء الصورة، ورأى أن الرباط ملخبط، فقال: هذا فنان جاهل؛ رباط الحذاء يجب أن يكون هكذا، فسجلها الفنان، ولما عاد إلى البيت صلح الحذاء بما قاله صاحب الصنعة. ثاني يوم، وضع اللوحة وتخفى وراءها؛ فمر صانع الأحذية ونظر؛ فإذا الحذاء قد رُبط بالطريقة الصحيحة؛ فتطور لديه الأمر ونظر إلى الرأس، فقال: لكن شعراته ليست مرتبة، فنظر إليه الفنان من وراء اللوحة وقال له: خلي بصرك على الحذاء ولا تزيد، يعني شغل الرأس دعه لأهل تخصصه.
إذن؛ لا يمكن لك أن تقف على علم حتى تفهم قوانينه، وقد كان العرب أصحاب سليقة، يتذوقون ويعرفون. ولما وقف الأعشى وحسان أمام الخنساء في أحد الأسواق، فقال حسان: لنا الجفنات الغر، الخنساء قالت له: قصرت في مدح قومك، هي ليس عندها كلام البلاغة الذي تعرفونه الآن، لكن هي تتذوق، فالجفنات كلمة تقليل، قالت له: أنت لما قلت:"لك الجفنات غر"؛ احتقرت قومك، هلا قلت:"الجفان الغر". فهي تفرق بين الجفان والجفنات، وتفرق بين الرحمن والرحيم، وتعرف أن الرحمن أعظم، والجفان أعظم من الجفنات. فهذا ذوق، يعرفونه منذ الولادة ويتغلل في نفوسهم كما تتغلل رمال الصحراء إلى أنوفهم، فتشكل معالم عقولهم وقلوبهم حتى يصبح عندهم الإحساس العظيم بالبيان، والإحساس العظيم بأعظم ما يميز الإنسان عن غير الإنسان.
ومن هنا أنا أقول لكم اقرؤوا (معالم الطريق) ، حيث يتكلم سيد -رحمه الله- عن سبب اختصاص الله العرب بالرسالة، مع أن غيرهم (الروم) مملكة منظمة. هل سمعتم عن واحد يسمى جورج زيدان؟ هذا