الصفحة 146 من 277

الغيب بالوجود هذه علاقة مهمة جدًا، يُلاحظها المؤمن ويغفل عنها غير المؤمن، وينطبق عليهم قوله تعالى: {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} ؛ كل الآيات تمر عليهم وهم يُعرِضون عنها، نعمة العطاء فلا يشكرون، نعمة البلاء فلا يستغفرون وهكذا، فهم معرضون عنها، وعلى المؤمن أن يراقبها وأن ينتبه إليها. هذا الأمر الأول.

الأمر الثاني: وهو أنّ عند الله سنة، كَتَب أن لا يرتفع شيءٌ ارتفاعًا تامًّا؛ لأن هذا يناقض كبرياء الله. إخوتي أساس التعبد كله، ركن التعبّد هو أن ترى قَدَر الله وشرعه مربوطًا بأسمائه وصفاته، إذا لم تفهم هذا فالعبودية ناقصة لديك، يعني لماذا أمك بالصلاة؟ لأنه يُحب أن يُعظَّم، فأنت تعرف أن الله قدوس، أن الله متكبر، أن الله عزيز. لماذا أمرك بالاستغفار؟ لأن الله غفور.

ومن فهمك لأسماء الله وصفاته تفهم شرعه؛ لماذا شرعه ولماذا قدره، كيف؟ كانت ناقة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تُسبق، وهي القصواء، فجاء أعرابي على قَعُود له -بعير- فسابقها فسبقها فشقَّ ذلك على أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أظهر لهم هذا الأمر لماذا وقع، والفقه النبوي الملائم لهذا هو أن يربط هذا الفعل باسم من أسماء الله وصفاته. عندما يقول (هما آيتان من آياتِ اللهِ، لا يخسفان لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه) [1] هذا من الفقه النبوي.

الفقه النبوي يعني كيفية ربط حركة الوجود بأسماء الله وصفاته، هذا هو الدين كله، هذا الآن حدث يسير، فكيف يُفسَّر؟ فقال - صلى الله عليه وسلم: (حقٌّ على اللهِ أن لا يرتفع شيءٌ من الدنيا إلا وضعَه) [2] ؛ حق على الله ولا يُوجِبه غيره، إنما الذي يوجبه أسماؤه وصفاته؛ لأن الله متكبِّر لا يحب أن يرتفع أحد ارتفاعًا يقول الناس فيه إنه باقٍ على ارتفاعه ولا يزول، وذلك من كبريائه، الله متكبر، وهذه الصفة لا تليق بأحد غيره، ولذلك قال: (إنَّ العزَّ إزاري، والكبرياءَ ردائي، فمَن نازعَني فيهِما عذَّبْتُهُ) [3] ، لا يجوز أن يُنازع الرب فيهما،

(1) صحيح البخاري: (1047) .

(2) صحيح البخاري: (2872) .

(3) صححهُ الألباني في صحيح الجامع: (1908) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت