أبو بكر يصف وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رآه خرج إليهم في صلاة الفجر، فرآه مستبشرًا ضحك إليهم، قال:"فعلمت أن النبي بخير"، فذهب وزار زوجته في العوالي، فجاءه نعي النبي.
فهذه ايمها صحوة الموت، وكما أن هناك صحوة الإنسان، هناك (صحوة الموت البشرية) . فالإنسان هو واحد والبشرية يمثلها إنسان، فسيرة البشرية هي سيرة الإنسان؛ كيف يرتقي حتى اكتملت البشرية في تمامها وصلاحها وحقها بمظهر النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة. بعد ذلك بدأت البشرية تنزل نزولًا آخر، قال: (بُعثت أنا والساعة كهاتين) [1] ، خلاص ذهب الصعود في البشرية الآن وجاء النزول حتى يتم الهلاك، كما يهلك الإنسان.
أقول هذا وقارنوه كذلك في الممالك والدول، كما أنك تقرأ الإنسان في صعوده ونزوله عليك أن تقرأ الممالك في وحدتها، كما تقرأ الوجود في تمامه وكماله عليك أن تقرأ الممالك حسب هذه السنة، لأنها واحدة، من الذي يُجريها؟ الله، ولكن تتعدد الصور في هذا، وهذا لبيان كمال قدرة الله.
فالله -عز وجل- من ظهور أسمائه وصفاته في الوجود أن لا يُبقي شيئًا، لا بد أن يُهلكه. ولذلك الله -عز وجل- مِن عِزَّته وكبريائه لا يُبقي أحدًا في الوجود لأنه عزيز، ما معنى عزيز؟ أنه لا يريد أن يبقى إلا هو، لأن العزة تأتي بمعنى الظهور، والظهور لا يكون تامًا حتى يكون واحدًا، فالله عزيز ولذلك يقتل كل البشر ويُهلك كل الأرواح، ويُدمِّر كل شيء، حتى أنه يقبض روح مَلَك الموت، وينادي: (لمن الملك اليوم؟) [2] ، لما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا الحديث مَاجَ به منبره، المنبر تحت قدمي النبي - صلى الله عليه وسلم - اضطرب، لعظمة ما يُخبر به عن هذا الموقف من عزة الله وكبريائه -جل في علاه-.
فمن كبريائه وعزته أن يُهلك كل من ارتفع حتى لو كانوا مسلمين، وهذا يحدث حدوثًا تامًّا بالموت البشري، بأن يموت الإنسان. ويحدث حدوثًا جزئيًا؛ فإن مظهر النبي - صلى الله عليه وسلم - هو مظهر القوة والانتصار
(1) صحيح البخاري: (6504) ، صحيح مسلم: (867) .
(2) قال الألباني في"ضعيف الترغيب والترهيب" (2/ 252) : منكر.