ماذا قال عن فرعون في سورة الشعراء؟ {وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} ، في الشعراء ذكر بني إسرائيل لما ذكر الكنوز لأن بني إسرائيل سرقوها، فالله نسبها إليهم كما في سورة طه. ولكن في سورة الدخان قال: {وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ} ما قال بني إسرائيل، قال: {كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آَخَرِينَ} .
فمن الإهلاك هو هذا الإبدال، فهؤلاء الذين أنذرهم الله بأنه سيعذبهم بكفرهم برسول الله، وسيُجري عليهم ما أجرى عليهم على الأمم السابقة، هم انتظروا أن تأتيهم الصيحة، وإذا هي صيحات محمد - صلى الله عليه وسلم: (إنَّا إذا نزلنا بساحةِ قومٍ فساءَ صباحُ المنذَرِينَ) [1] ، طبَّق عليهم الآية تمامًا، كما تُطبّق الآيات الأخرى على الأمم السابقة.
أنت ليس عليك أن تنظر كيف ينصر الله، وكلمة النصر تتكرر في القرآن بأنواع، يجب عليك أن تفهمها، انظر إلى قوله تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} كيف نصره الله؟ هذه في سورة التوبة، فالله يقول لمن هاجر إليهم: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} ، كيف نصره الله؟ نصره بأن أخرجه من قومه إلى قوم ينصرونه، وهذا من مدح ربنا للأنصار، أنه نصره بهم، فهذا نصر؛ نصره بأنه لم يُجري مراد عدوه فيه، كان مراد قريش القتل أو النفي أو الحبس، وكان خيار النصر هو إحدى خياراتهم، وهو الإخراج، وهذا تقاطع المصالح، هو يريد منك هذا وأنت تمشي معه لأن هذا مما يوصلك إلى مُبتغاك.
ومن النصر الذي ذكره الله -عز وجل- عن نوح: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} ، كيف نصره؟ أنه أهلك عدوه، بأن جاءت المياه فاجتاحتهم واجتالتهم ولم تُبقِ أحدًا، هو ما قاتل. ولكن كيف نصر الله رسوله على قريش؟ بأن دخل مكة فاتحًا وعفا عنهم وصار
(1) صحيح البخاري: (2945) ، صحيح مسلم: (1365) .