الصفحة 157 من 277

الْأَحَادِيثِ ما الذي يناسب الحال الذي كان فيه يوسف؟ أن يُذكر اللطف أن تُذكر الغلبة؟ المناسب لحاله أن الله لطف به، فالمناسب أن يُذكر اللطف، لكن هنا قدّم الغلبة، وقال: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} ، في بداية القصة قال: {غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} ، ولما خُتمت القصة قال يوسف -عليه السلام-؟ {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ} .

وهذه (لطيف) هي شرح لقضية خفاء يد الله وراء السنة. فذُكرت الغلبة في بداية الضعف، وذُكر اللطف عند نهاية النصر؛ من أجل أن يقول الله لكم حتى وأنت في ضعفك يا يوسف فالله غالب على أمره، يعني ليس وجود الضعف فيك بسبب ضعف غلبة ربنا، ولا قوته ولا نصرته لك، ففي بداية الأمر وأنت ضعيف الله يُقرِّر أنه هو الغالب وسيُجري من الأفعال ما يُحقق هذه الغلبة من خلال خفاء يد الله في السنن، فإذا وقع الامر وانتهى قال -سبحانه وتعالى- على لسان يوسف: {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ} من أجل أن تشرح مسيرة حركة التمكين ليوسف -عليه السلام-.

رؤيا رآها، إخوانه رموه في الجبّ، أين الفعل الذي فيه القهر وخفاء السنة أمام اليد؟ إنما هو اللطف، اللطيف بمعنى الخفيف الذي لا شدة فيه ولا قوة، تقول: هواء لطيف، وهذا لا يكون إلا إذا كان قادرًا على الدخول في كل شيء، فلا يُعجزه شيء. تقول: فلان لطيف يعني كلامه سهل ولا يصادم، وإذا كان كذلك فعنده القدرة أن يسلك المسالك الصعبة.

فربنا -سبحانه وتعالى- لطيف ذاتًا، ولطيف فِعلًا -جلّ في علاه-، وأما الفعل فهو يجري على المعنى الذي ذكرناه، فيدخل فعله من غير أن تراه للُطفه وخفائه في الوجود وفي الفعل. فلذلك مشت مقادير يوسف -عليه السلام- من غير أي تدخل على معنى القهر، إخوته وضعوه في الجبّ، جاء ناس وأخذوه، عادي الصورة ماشيه، ألقوا الدلو في البئر، خرج الولد معهم، أخذوه وباعوه، -نحن دائمًا نريد النصر بطريقة ليس فيها بلاء! -، أخذوه باعوه ظننا أن القصة انتهت، وإذا القصة ما زال فيها طول، لأن العطاء لا ينبثق إلا بالبلاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت