الصفحة 167 من 277

سبحانه وتعالى-: وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا واضح أنه أنزلها من العُلُوّ، لا كما يقول بعض الناس من السماء أي من الهيكل المخلوق مما يقابل الأرض.

مدرارًا دلالة التكرار والكثرة. ويُقال دَرَّ الضِّرعُ أي حلب وأنزل ما فيه، ودرَّ تذهب إلى غير الماء، كقوله: هذا درَّ مالًا، يجوز هذا في اللغة ولا بأس به.

قال -سبحانه وتعالى-: وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ.

لماذا فرّق بينهما؟ بين {وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء} و {وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ} وكلاهما دلَّ على الماء؟ إنما أراد هنا التعبير عن الأنهار بكثرة الثمار والبساتين والحدائق. فقوله: وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ؛ لأن الأنهار دلالة على البساتين وعطاء الثمار وغير ذلك كما حدث مع {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ} .

كما يقول المفسرون هنا الله -عز وجل- ذكر ثلاثة أمور دالة على منّة العطاء والدوام والفتنة. أولًا التمكين؛ عندهم قوة يستطيعون أن يدافعوا عنها وهي دلالة على الأمن، عندهم ما يتمكَّنون به من مُصانعة غيرهم أو مدافعة غيرهم أو غلبة غيرهم. والله أنزل عليهم الماء المدرار من السماء الذي لم ينقطع دلالة على تواصل الخير عليهم، ثم بيّن أن ما حصل عليه هذا الماء أنه أجرى لهم الأنهار فحصلت لهم الثمار الكثيرة. فماذا بقي لهم؟! النتيجة قال: فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ.

انظر إلى قوله: بِذُنُوبِهِمْ {هذه مهمة جدًا، قال الله -عز وجل-:} بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، هذا كله مما يدل على ما يُسمى كفر المآل من خلال العمل، -وهذا شرحناه لا أريد أن أعود إليه-. فقوله: فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ، وقوله: بِذُنُوبِهِمْ دلّ على أنهم فوق كفرهم فيما ذَكر -سبحانه وتعالى- فيما تقدَّم من الإعراض والتكذيب ثم الاستهزاء. هنا صارت لهم ذنوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت