ولذلك قال الله -سبحانه وتعالى-: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ، وهذا فيه تنبيه، يقول ابن القيم:"من أعظم الفقه أن تعرف هذا الحديث أين هو في الآية"، من أعظم الفقه أن تشتق الحديث من القرآن. المقصود بالحديث كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -. فإن بعض أهل العلم وهذا كلام الشاطبي -وبعضهم ناقش فيها لكن الأصل صحيح- أن جميع السنة مصدرها القرآن، فهمها مَن فهمها وجهلها مَن جهلها. هناك ما تستطيع أن تعيده، وأشياء لا تستطيع أن تُعيدها.
ابن عباس قال لم أجد صلاة الضحى في القرآن، أي أنه كان يبحث عن صلاة الضحى السنة في القرآن، ولم يكتفِ أنه جاءت بها السنة وهذا من فقهه، يريد أن يستبق من أجل أن يفهم المسألة من القرآن. لذلك هناك جهل في هذه الأيام؛ يزعم أناس اتِّباعًا لأن حزم واتباعًا لبعض المشايخ اليوم -بدون ذكر أسماء-، يقولون:"القرآن والسنة معًا"، وهذا خطأ، هذا فقه بعيد عن الصحابة ومن أكبر الأخطاء التي ابتُلينا فيها في هذا العصر، ومنعتنا من أن نركض في مضمار الرجال والفقه العظيم. لو رجعتم إلى السلف الصالح وارجعوا إلى مصدر عظيم في هذا، كتاب (الفقيه والمتفقِّه) للخطيب البغدادي.
الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان إلى يوم الدين من تابعي التابعين يقولون دائمًا:"القرآن ثم السنة"، وليس معًا. هذا له فائدة تربوية، أن تُعلِّم الواحد أن يأخذ الفقه من شيء سهل هذه تبدأ بها في الابتداء، أما أن تُربّيه أن يأخذ الفقه من شيء أعظم هذه تربية لك أن تمارس الفقه بطريقة صحيحة. وهذا من تربيتك أن القرآن ليس كما يقول الجَهَلة كتاب عمومات.
هاتان قضيتان، القضية الأولى يجب أن تُربّي الأمة كما تربَّى الصحابة، أولًا فقهوا القرآن فكانوا يذهبون إلى السنة، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - علمهم أن يذهبوا إلى القرآن فذهبوا إليه فجاهدوا فيه، وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا، فتح القرآن عليهم مغاليق العلوم وأعطاهم الله من عظائم العلوم ما تعجز عنها الأمم