الصفحة 171 من 277

طيب {فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ} قوله -سبحانه وتعالى-: {بِذُنُوبِهِمْ} على ماذا يدل؟ على أن هناك شيئًا آخر فوق الكفر، الكفر ماذا يُنتج؟ سلوكًا عاصيًا، سلوكًا مذنبًا. فهؤلاء انتشرت فيهم الذنوب، والذنوب كثيرة الله -عز وجل- نوَّع هلكة الأمم التي ذكرها لنا؛ نوح، ثم هود، ثم صالح، ثم لوط، ثم شعيب -عليهم السلام-، الله نوّع لنا أخبارهم في معصيتهم، فلم يكن عندهم فقط الكفر بالله، كان عندهم كفر بالله وكان عندهم معاصٍ أخرى كقوم لوط. أنا تأملت القرآن كله ورجعت لهذه المسألة، لم أرَ قط في القرآن ذِكر كُفر قوم لوط، كلمة (كفر) أي تعلقها بالإيمان، ولم أرَ في كلام لوط في كل القرآن أنه دعاهم للإيمان أبدًا، هذا القرآن بين أيديكم. رجعت لهذه المسألة في القرآن لأرى هل دعاهم؟ لأن نوح -عليه السلام-:"آمنوا بالله"، وشعيب:"آمنوا بالله"، وهكذا. لوط -عليه السلام- لم يُذكر قط في دعوته الدعوة للإيمان، فقط المعصية التي اقترفوها.

وهنا أفتح قوسًا مهم جدًا، من أصعب ما يلاقي الداعي إلى الله اختلاط الحق في العالم المطلق بالعالم النسبي؛ ولذلك أصعب الأنبياء دعوة إلى الله هو موسى -عليه السلام- قبل نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه جاء إلى فرعون بحق مطلق وهو حق الله، وجاء بحق نسبي وهو حق بني إسرائيل، وهذه يكفي أنها تهمة، هنا المشكلة، كيف يستطيع الداعي أن يُخلِّص شائبة مصلحته من الدعوة التي يدعو فيها إلى الله؟ لا يستطيع، يعني من السهل جدًا أن يقولوا له: أنت تستغل الدين من أجل مصالحك؛ ولذلك هم قالوا له كما في سورة يونس: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ} ؛ جئتم لتأخذوا الحكم منا، مقصدكم هو أن تسلبونا السلطة، هذا قولهم لأنه في الحقيقة هو يدعوهم {وأن أَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} فهو يطلب أن يُرسل بني إسرائيل معه، يدعوه إلى الله، إلى التوحيد، وهو يطالبهم كذلك بأن يُخرج ويُعتق هؤلاء المظلومين من تحت سلطته وإمرته وملكه. وهذا شاقٌّ على الداعية. وهذه مسألة تحتاج إلى بسط.

فقوله -سبحانه وتعالى-: {فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ} ؛ دلّ على أن هذا الكفر قد أنتج معاصٍ، والكفر قد يُنتج معاصٍ والمعاصي قد تُنتج كفرًا. الحال بهما كحال القلب مع الشرايين، مين الذي يحتاج للآخر هل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت