أوروبا والجنوب الإسلام، هذه سنة واقعة لا بد من التداول، وكما أنهم ورثوا عنا قوتنا، وسلطاننا، وملكنا، وتمكيننا، سيأتي يوم وتنقلب الآية وهكذا.
ولكن لما كانت سنة الله -عز وجل- في أن الروم ذات القرون وأن الروم لا مَهلك لهاـ وستبقى وكما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حديث المستورِد بن شداد في مسلم: (تقوم الساعة والروم أكثر الناس) [1] ، علامة أن التداول بيننا وبينهم سيبقى إلى نهاية الساعة، وإلى نهاية هذا العالم، وحينئذٍ يكون أهل الحق ضُعفاء (لا تقومُ السَّاعةُ على أحدٍ يقول: اللَّهُ، اللَّهُ) . الحق -كما أسميناه- عندما يأتي المهدي وينتصر أهل الإسلام هذه صحوة الموت، لكن لا تتصوروها عودة كما يتصورها البعض فيما يرونها فيما حققه الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- من كسر الإمبراطوريات ودمارها وإزالتها، وإنما هي صحوة الموت قبل الساعة.
القصد أن الله -عز وجل- لا يُهلك أمة ولا حضارة حتى يُنشئ البديل، هذه سنة. وحينئذٍ يأتي دور الوراثة، ما معنى دور الوراثة؟ لا بد أن تُحضِّر نفسك. النبي يقول: (اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بِك منَ العَجزِ والكَسَلِ) [2] ما الفرق بينهما؟ العجز عدم وجود القدرة حتى لو وُجِدت الإرادة، يعني: واحد عنده إرادة أن يقوم لكن مسكين مشلول. لكن الكسول عنده القدرة لكن ليس عنده الإرادة، عنده قدرة ليُحضر كأس ماء لكنه كسول ليس عنده إرادة. فعلى الأمم إذا أرادت الوراثة أن تزيل عجزها من خلال زوال كسلها؛ لأن العجز كيف يحصل؟ عجزنا اليوم في غلبة أعدائنا كيف حصل؟ من خلال قرون الكسل؛ عجزنا اليوم ورثناه من خلال قرون الكسل التي عاشتها الأمة، ولذلك إذا أردت أن تَرِث لا بد أن تُحضِّر، لا بد أن تكون جاهزًا للوراثة، في أي لحظة يمكن أن تتم الوراثة.
ولذلك القرآن في سورة الأنعام يقول: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ} ، ماذا قال بعدها؟ {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ} ، (وما يُشعركم) يعني لا تأتي الآية على ما تُريدها اليوم، ولا على ما تُرتب أنت، تريدها بعد ساعة، القرآن يأتي بالآيات في لحظة
(1) صحيح مسلم: (2898) .
(2) صحيح البخاري: (6367) .