الصفحة 175 من 277

ولذلك نستطيع أن تقول بأن هذه القضية تتخلَّل سورة الأنعام كلها، وهي قضية الرسالة والرسول، وسنرى كما في قوله تعالى: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ} ، وقوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} الذي يفتري على الله، الذي يكذب على الله ما هي نتيجته؟ وهكذا، فقضية الرسول من أعظم قضايا سورة الأنعام.

ومن أعظم قضاياها بعد قضية التوحيد هي قضية المثال النبوي، وشرط الرسول ليتحقَّق البلاغ والمثال أن يكون من جنس من أُرسِل إليهم، لماذا هم يطلبون الملائكة؟ {لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} ، الله يُقرر في كتابه -جلَّ في عُلاه- بأن حُجَجهم الباطلة لا تنتهي ولا تنقطع، لو قلنا لقالوا، فهذه حُجج لا تنتهي، ولذلك مما قاله العلماء لا ينبغي أن تُلاحِق المبتَدِع، وصاحب الهوى في حُججه؛ لأنه لا ينتهي، وخاصة عند انتشار الجهل. العالم إذا رفعت له صور وعلامات العلم ارتدع، وعلم أنه في المقام الخطأ فيتراجع، لكن صاحب الهوى يُتابع هواه ويمشي معه إلى المُنزَلَق إلى جهنم. ولذلك محمد بن الحسن الشيباني مما يُذكَر عنه، قال:"أنا لا أُناظِر الرجل لأقطع كلامه"، قالوا: وإلا وكيف تناظره؟ قال:"أُناظِرَه حتى يُجَنّ"، قالوا: وكيف يُجَنّ؟ قال:"أُناظِرَه حتى يقول ما لم يقُله أحد"، يعني يبقى يُلزمه فإذا كان صاحب هوى سيضطر بعد ذلك في نهاية الكلام أن يقول كلامًا لا يُمكن، فسيبقى معه حتى يُجَنّ، بأن يقول ما لم يقُله أحد.

فالقرآن يقطع حججهم، هذه طريقة، يقول انظروا واجمعوا أنا أتركها لكم، لما يقول القرآن في مواطن كثيرة: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} هذه موجودو في سورة يونس، وفي سورة يس، وفي سورة النمل، {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم} ، موجودة في سورة سبأ {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ* قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لَّا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ} . انظر إلى هذا السؤال، {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ} كيف يتنوَّع الخطاب؟ كله يتنوَّع ليس إجابة لهم ولكن تَبْكيتًا لهم وتحذيرًا لهم؛ لأنه لا ينفع لهذه النفوس إلا هذا الخطاب. هم يقولون: {مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} هذا السؤال هو سؤال تعجيزي، لأن القرآن يُقرر الحقيقة ويُثبتها وهي قضية: {وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} يعني هكذا ستخرُج، وهكذا ستقوم الساعة، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت