هو البعد، فالشيطان لما كان بعيدًا عن الهدى بعيدًا عن الحق بعيدًا عن رحمة الله سُمّي شيطانًا. أينما وجدت الألف والنون دلَّت على المبالغة وعلى عِظم ما تتحدّث عنه من الوصف، مثل: الرحمن.
فهذا يتَّبع كل شيطان مريد، له إمام يُقلّده في الكفر، وذلك رجل ليس له إمام إلا هواه، ولكن ليس معه كتاب ولا هدى. إذًا استوعبت أنواع الكفر.
ثم تستوعب السورة أنواع الشرك في نفس صاحبها، هذا حديث سورة الحج عن الشرك باعتبار أحوال الناس مع العلم؛ هل هم مقلّدون أم هم شياطين بأنفسهم ليس لهم تقليد، هذا صنف وهذا صنف. لكن لما جاءت إلى جاءت إلى الشرك في نفس صاحبه قال: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} ؛ إذًا الشرك يُقسم إلى قسمين: قسم مستقرّ وقاعد عليه، قال هذا هو الحق. وشرك آخر هو شرك الحيرة، كما تقول سورة الأنعام: {لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا} مرة مع هؤلاء ومرة مع هؤلاء، متردِّد، فهذا حاله: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ} إما تخطفه الطير فتسير به يمنة ويسرة إلخ، أو تهوي به الريح فيستقر شركه. فذكرت لنا السورة هذا السياق.
فهمك وبحثك عن شخصية السورة يؤدي بك إلى الكشف عن هذه المعاني رغم أنفك.
هذه السورة عن ماذا تتحدث؟ تكلمنا عن طولها وقصرها، تكلمنا عن نغمها في طول الفاصل القرآني، تكلمنا عن ألفاظها، تكلمنا عن معانيها، هذه هي سمات السورة.
ومن إعجاز القرآن أنك لو أخذت الكلمة لما وجدت غيرها مناسبًا لهذا الموطن، ولو أخذت الآية لوحدها لكَفَتْك، يعني ألا ترون الخطباء والمدرسين يحتجُّون بآية؟ لا يضطرون إلى قول ما قبلها وما بعدها، فالآية تُعطي لهم الغذاء الكامل، هذا غذاء يناسبها، ويأتي غذاء كامل مناسب لما قبلها وما بعدها، ويأتي غذاء كامل يناسب السورة، ويأتي غذاء كامل يناسب موضع الآية من القرآن. ومن هنا لا يمكن لأحد أن يقف، هذه بحار من العلم لا يتوقَّف أحد فيها، وليس لها ساحل يستطيع أن يقول أنا انتهيت منها، فهذا أمر لا ينتهي.