هذا الذي فتح علي هو قوله: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ} .
سورة أخرى تتحدث عن الرؤية، يقول سبحانه: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا} أي أُقفلت أبصارنا حتى أننا سَكِرنا، وقاعدة ابن جني أن الكلمة الواحدة تدل على نفس المعنى؛ سُكُر، وسُكّر، وسكَّر، كلها نفس المعنى لأنها كلها تدلّ على الإغلاق. لما الواحد يَسْكَر يُسكِّر مُخه، لذلك سُمّي الخمر بالغول، الذي أخذوه منا وسموه كحولًا، ثم رجع إلينا وسميناه كحولًا، وهو الأصل عنا اسمه (غول) وهم يعترفون في كتبهم أن كلمة الكحول كلمة عربية ولذلك {لَا فِيهَا غَوْلٌ} يعني يغتال العقل، من الاغتيال. فلما كانت الخمر تغتال العقل سميت غولًا.
واللغة تَبَع لقوة الأمة، كما يقول ابن حزم في كتابه (الإحكام) :"قوة لغة الأمة تبع لقوَّتها"، الأمة القوية تجد لغتها قوية ومنتشرة، والحال يشهد عليه.
فالسُّكر هو اغتيال العقل، والتسكير سَكَّر العقل، طيب والسُّكَّر؟ التي في قوله -على الصواب- في سورة النحل: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا} بعض المفسرين قال: من السُّكر، غلط غير صحيح. سَكَرًا من السُّكَّر أي الحلاوة؛ أولًا اللغة تقتضي هذا، لو قال: مما يُسكر لكان لها صياغة أخرى، لكن المعنى الذي يُبطل أن تكون على السُّكر خلاف الصيغة التي تسمى بـ"التصريف"عند علمائنا، فإن الله لا يمتن بشيء ثم يحرّمه، لأنه ذكر {سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} من قبيل المنة، وذكرنا قاعدة: إذا ذُكر شيء في القرآن على سبيل المِنّة يبقى على الحل؛ لأن الله لا يمتن بشيء ثم يحرمه. وهذا السكر لأنك إذا أكلته ثم طربت له وأعجبك منعك وأقفل عليك أن تذهب لغيره.
فهؤلاء المشركون قال: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} ؛ عيوننا أُغلقت وجاءنا هذيان ذهني، لكن هنا أكّد عليهم فقال: {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} ماذا بقي لهم؟ العين قد تُسحر، طيب اليد كيف يُزوَّر عليه ما تلمسه؟ لذلك قال: