الصفحة 188 من 277

فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ تفصيل عجيب!، لماذا؟ للضرورة؛ ليُبيّن موقع هذه النعمة الإلهية على هذا الرجل.

ابن عباس يقول:"هذه المقصود بها هو الأعمال الصالحة"، لكن القرآن يمرّ لأن الإيجاز هو البلاغة، ما هي البلاغة؟ قالوا: هي اللَّمْحَة الدَّالَّة، وقلنا كلام الإمام الشافعي -رحمه الله- لما قال:"كلما أَلْغَزَ العربي كان كلامه دالًا"؛ اللمحة الدالة هو يُقيم لمحةً وبعد ذلك أنت ابحث.

والقرآن حين يأتي بالتفصيل فله مقصد في هذا، فقوله -سبحانه وتعالى-: (فلمسوه) ثم قال (بأيديهم) ، الباء عند أهل اللغة لها معانٍ كثيرة كلها تعود إلى ما قاله سيبويه في (الكتاب) وهو الإلصاق، وما ذكروه كله تبع لهذا المعنى، تقول: ضربته بالحجر، لأن الحجر التصق بيدك. مسحت برأسي، لأنه التصقت يدك برأسك. فكلها تعود على الإلصاق وقد يتفرّع هذا الإلصاق إلى معانٍ.

{وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ} ، أول شيء ما معنى (ما منعنا) ؟ الله ما الذي يمنعه؟ وهو الذي -سبحانه وتعالى- لا يرد إرادته رادّ، والله -عز وجل- لا يُصاب بالشكّ ولا بالتردد ولا تنقطع إرادته لو توجّهت لشيء. المنع إما أنك تريد فلا تستطيع، وإما أن تريد فيمنعك مانع، وإما أنه لا يوجد الشيء؛ أنت تريد الطعام ولا يوجد. فكيف يُقال: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ} ما معنى منع؟

شرحنا سابقًا استخدام العرب للكلام، وهذا يُشبهه، قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث القدسي: (وما تردَّدتُ عن شيءٍ أنا فاعلُه تردُّدي عن قبضِ نفس المؤمن , يكره الموتَ وأنا أكْرهُ مساءتَه) . [1] التردّد قد ينشأ من ضعف؛ واحد لا يعرف هذه الطريق هل توصل إلى مَهْلَكة أو إلى مَفَازة، -وسُميت الطريق الصعبة مفازة من باب الرجاء، كما يقولون عن اللديغ سليمًا رجاء أن يسلم-، فإذا أتيت إلى طريقين فلا تعرف الطريق المُهلكة مِن المُنجية فأنت تتردَّد، سبب التردّد في اختيارك هو جهلك، وهذا ممتنع في حق الله.

(1) صححهُ الألباني في صحيح الجامع: (1782) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت