لكن بأي شيء وقع التردد في نفس ربنا؟ لوجود أمرين كلاهما عند الله مطلوب؛ واحد مطلوب على جهة القدر، وواحد مطلوب على جهة الشرع والمحبة، فإن إهلاك الإنسان وانتهاء عمره لا بد، كتب الله أن يموت كل واحد، فهذه كتابة قدرية، والله -عز وجل يكره- إساءته لأنه يحبه. فهذا التردد وقع يبن أمرين، بين أن يُجري السنة وأن يُجري مراد حبيبه بأن لا يُميته، وهذا تردُّد ممدوح، فهذا يقع في نفس الرب، وهو -سبحانه وتعالى- يُجريه رغم أنف عبده.
من الذي ينتصر في الدنيا السنة الشرعية أم السنة القدرية؟ القدرية، فيُميته حتى وهو يكره إساءته.
قال: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ} ، وإلا فلو لم يكن هناك عاقبة تؤدي إلى استئصالهم، والله لا يُريد استئصالهم ولا يريد أن يزيل قريش ولا يريد أن يدمرها، فهو رحمة بهم لم يُعطِهم ما طلبوا، فمنعه عن إجراء هذا الفعل عليهم محبته -سبحانه وتعالى- أن يهتدوا هم أو أبناءهم.
قضية طلب الآيات تتكرر في القرآن كثيرًا جدًا، كيف يردّ عليها القرآن؟ هذه مهمّة من مهمّات فِقهك للكتاب، أن تعرف كيف يرد القرآن على طالبي الآيات، وفي سورة الأنعام يتكرر طلب الآيات كثيرًا. والقرآن لا يأتي دائمًا بالسؤال والجواب، أحيانًا يفعلها كقوله -سبحانه وتعالى-: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} أعطاهم الجواب، لكن كثيرًا يُجيب القرآن دون أن يقول لك: هذا الجواب، انظر هنا آية (37) : {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ} .
طلب الآيات جزء من مفهوم الرسالة، فلا تَخَف ولا تَجبُن من كلام الزنادقة: أنك لست على شيء، أنت ضعيف، انظر المسلمون لو كان عندهم الحق لكانوا خير البشر، لو الدعاة على حق لانتصروا، لو كان الدعاة على حق لأيَّدهم الله، بمَ نعرف أنكم أنتم على الحق؟ وقد هُزمتم كذا وعملتم كذا وسُجنتم كذا. تتكرّر نفس الصورة من الزنادقة وممن يتنشَّق روائحهم. كيف يرد القرآن؟
{وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آَيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} ، كثير من الناس بسبب عدم فهم الآيات يتعبون في الحفظ، فإذا علموا ترابط الآيات سَهُل عليهم الحفظ، الآن