كانوا في أول نهارهم سحرة كفرة وفي آخر نهارهم شهداء بررة"، فهم يعرفون هذا وعندهم علم به، ولكن لما جاءت عصا موسى -عليه السلام- أزالت الوجود وتغيرت حقيقتها، إذًا الذي يُغيّر الحقيقة هو الذي يخلُق، فعلموا أن هذه آية من خالق الكون الذي يُبدّل حقائق الأشياء، وليست صور الأشياء، هذا فرق {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ} ."
ولا بد مع السحر من استرهاب {وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} ، لذلك قال عن موسى: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى} وكلما قوي جَنانك وقلبك كلما بَطُل سحر الساحر عليك، حتى في كلامه وتهديده لا ينفع. والسحر على درجات. والعلماء على شبه إجماع أن الساحر يُقتل إلا الشافعي -رحمه الله- يقول:"إذا كان سحره أدى إلى القتل فإنه يُقتل وإلا فيُعزَّر".
فالقصد أنهم لما قالوا: {إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} دل عندهم على أن السحر ليس محترمًا، على أنه يغيّر ويلعب، ولا قيمة له.
تسمية الفعل الإلهي وهو الذي تأتي به الحقائق مقابل السحر سحرًا، هذا سبٌّ على الله، من هنا هؤلاء كفرة، قال لهم القرآن هذا كلام الله، فقالوا: سحر. أتى لهم بالآيات من انشقاق القمر، أتى لهم موسى بالعصا، هذه حقيقة فهم سموها سحرًا. من هنا عليك أن تفهم أن تغيير حقائق الأشياء يؤدي إلى الكفر؛ هذا الذي قلناه أنه لا بد من معرفة جغرافية الشيء وتاريخية الشيء، إنكار الحقائق يؤدي بمقدار إنكار الشرائع؛ لأن الخليقة من خلقها؟ الله، والشريعة من أين جاءت؟ من الله. فإنكار الشريعة كفر لأنه رد على الله، وإنكار الحقيقة هو رد على الله لأنه رد على خِلقته.
وهذا ما لا يعرفه أهل الإسلام، وهذه النقطة مهمة جدًا في عدم تصورنا لجنونا الذي ندَّعي أنه دين؛ لأن كثيرًا من الناس يتدينون تدينًا مَرَضيًا يظنون أن الدين هو خروج عن الحقائق الكونية، يقولون: لأننا نؤمن بالغيب فيجب علينا أن نُلغي هذا الكون المادي الذي نعيش فيه. وهذا من الضلال.