الصفحة 199 من 277

المسلمون تعجب من كلامهم يقولون: إن الله معنا، طيب لماذا تنهزمون؟ ليس هناك سبب غيبي يتحقَّق به فعل قدري كوني في الدنيا إلا ومعه سبب كوني يلائمه، حتى المعجزة، لما ضربنا لكم مثال خروج الماء من يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - الشريفة لما وضع يده في الإناء، هل جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الفراغ ووضع يديه هكذا وجعل الماء يفور؟ أم قال: أحضروا لي ماءً؟ فالأصل موجود. ولما حصلت البركة في الطعام هل قال النبي - صلى الله عليه وسلم: اللهم أنزل علينا مائدة من السماء فنزلت، أم قال: أحضروا لي ما معكم من الطعام وجمعوه؟

فإذًا لا بد من شيء كونيّ ليبارك الله فيه، فلا تنزل البركة على فراغ, ولما صار في أهل الأخدود ما صار وهم مؤمنون لماذا؟ لعدم وجود قوة، {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ} بإجماع المفسرين على أن المقصود هم الذين قَتلوا، يعني الله يسبهم ويدعو عليهم.

فالقصد بأنه لا يمكن أن يقع شيء إلا مع وجود مادته، ومادته لا بد أن تكون ملائمة له. هل الناس يدفعون الجوع بالماء أم يدفعون العطش بالماء؟ الجوع لا بد له من طعام، فلا بد من ملاءمة بين السبب وبين مُسبَّبه، ولذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (اعْقِلها وتوكَّل) [1] .

{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ} والصبر له معنيان؛ صبرٌ على الفعل أن تقوم به، من قوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} . وهناك صبر فقط بأن تنتظر حكمة الله لعدم وجود قدرة لديك وللعجز، كما قال موسى -عليه السلام-: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا} اصبروا فالله سيفصل، ومع ذلك خطَّطوا وخرجوا وحصل ما حصل من النصر.

ولكن هناك صبر يسميه علماؤنا كما يقول ابن القيم:"هناك صبر البهائم"، والظاهر هذا الذي نعيشه نحن! يعني الماء بجانبه وهو يريد أن يشرب ولا يقوم، النصر أمامه يستطيع أن يذهب إليه بالسنة ولا يذهب إليه، العمل موجود يستطيع أن يذهب ويكسب المال وجالس يقول: أنا صابر حتى الله يرزقني. هذا اسمع صبر البهائم.

(1) حسنهُ الألباني في صحيح الجامع: (1068) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت