نختم بسورة هود وانظر الرفعة الإلهية لرسولنا، أول السورة صفحة (222) ، انظر إلى خطاب القرآن لرسولنا من هو الإنسان؟ انظر إلى خطاب القرآن يُعرِّفُك ما هو الإنسان، الذي تراه يلبس بدلة ومضبط، إيش هو الإنسان هذا؟ القرآن يكشف من هو هذا، الذي تظن أنه في ثبات وفي قوة ولا يجزع. فانظروا الرِّفعة الإلهية لرسولنا كيف يرفع القرآن مستوى التحدي والثبات والصبر، انظروا إليه، فبعد أن يطرح القرآن صورة الإنسان في حقيقته {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ ... } بعد ذلك: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} ، ماذا قال القرآن؟ {إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} لماذا يقول: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} ؟ لماذا يضيق صدره؟ لتخلُّف هؤلاء البشر عنه، هذه نوعيتهم، وهذه طريقة تربية القرآن، فالقرآن كأنه يريد أن يقول له: أبمثل هؤلاء الناس تتأثَّر؟ أبمثل هؤلاء البشر تترك الهدى؟ {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا} هذه النوعية من البشر هذه هي صفاتهم؛ يجزعون يخافون يجبُنون وهكذا، يقع منهم التردُّد ويقع منهم الشك، يقع منهم الخوف، إلى آخره. أبمثل هؤلاء القوم بمثل هؤلاء الناس تترك الحق؟!
ولذلك حالة الإيمان حالة فردية وكلما كنت فردًا كنت أمة، {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} لماذا؟ لأنه لم يكن على ظهر الأرض إلا هو وزوجته مؤمنون، وقال - صلى الله عليه وسلم: (رحمَ اللهُ أبا ذرٍ؛ يمشي وحدَه، ويموتُ وحدَه، ويبعثُ وحدَه) [1] ؛ لأنه هو له فهم خاص أراد أن يحمله على أشد ما تحمل النفس طاعتها.
هنا في الآية: {أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ} هذا كذلك دليل على ما نحن فيه، أنهم طلبوا معه ملك كما تُري الآية. بيَّنا ما معنى {قُضِيَ الأَمْرُ} . قال: {ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ} يعني إذا نزل الملك لا يردُّه رادٌّ، {وَمَا كَانُوا إِذًا مُّنظَرِينَ} فالله لم يُنزل ملائكة حتى يأتي وقتهم، فإذا حضر الملائكة حينئذ يحصل ما حصل مع إبراهيم، إبراهيم -عليه السلام- لما مروا عليه -وذُكرت هذه في سورة هود، وذُكرت في سورة الحجر، وفي سورة العنكبوت- ماذا قالوا له؟ في سورة هود: {يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} ، يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ
(1) ضعفهُ الألباني في السلسلة الضعيفة وفي ضعيف الجامع.