تراها تنزل. ففي عالم الغيب يتجمَّع هذا الفعل بسبب الدعاء، كل يوم تدعو تضع في الميزان شيئًا من الثِّقل الملائم لما تطلب، فيزيد ويزيد حتى إذا وقعت الكفاية من الدعاء وقعت الإجابة.
من هنا لا تقل: الله لم يستجب لي؛ لأنك لا ترى إلا عالم المادة، عالم الغيب فيه ملائكة، وعالم آخر عليك أن توقن به كما أخبرك به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. تدعو مرة ومرتين وثلاثة وأربعة وخمسة، هذا الفعل عظيم يحتاج سنة من الدعاء، سنتين، أربعة، خمسة، عشرة، ويستجاب لك. وكلما كان الدعاء قويًا كان ثقيلًا؛ الدعاء له أثر، فالعبرة ليست بالحجم ولكن العبرة بالنوع والوزن.
فالقصد يستجاب لك، لا يمكن أن ترفع يديك إلى السماء فتدعو الله ولا يستجيب لك؛ (إنَّ اللهَ تعالى حييٌّ كريمٌ، يستَحي إذا رفَع الرَّجلُ إليه يدَيهِ أن يردَّهُما صِفرًا خائبتَينِ) [1] ، هذه العبد لا يرضاها، فهل يرضاها الله؟! لكن لله سننًا لا بد أن تفهمها، هذا من أجل أن تبقى داعيًا، تدعو كل يوم، ادعو الله، ادعو الله، فلا بد أن يأتي.
هنا يعلمنا القرآن ما يسميه علماء البلاغة (أسلوب الحكيم) ، هذا يقوله السكاكي -أحد أئمة البلاغة- يقول:"هذا أسلوبٌ الحكيم"؛ سنراه في القرآن رائعًا، هذا يعلمنا نحن كيف نتكلم؟ كيف نجيب؟ كيف نفهم القرآن؟
هم طلبوا قالوا: {لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} ، فقال: {لَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْر ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ} ؛ وانتهينا منها.
قال: {لَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا} ؛ هم في هذا الموطن لم يطلبوا مَلَكًا رسولًا، فبعد أن انتهى القرآن من ذكر قضية مشاركة الملك في وجود الرسول ماشيًا بجانبه؛ تكلم عن قضية إرسال الملك رسولًا، هذا شيء آخر. هم طلبوا أن يكون معه ملك، ولكن في الآية التي وراءها تحدَّث عن قضية لو أنه أنزل ملكًا رسولًا للناس، وهذه طلبوها، قال -سبحانه وتعالى- في سورة الإسراء: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا} .
(1) صححهُ الألباني في صحيح الجامع: (1757) .