وقلنا: هذا كله كذبٍ مِن قِبل التعنُّت، ولا يتحقَّق المثال والعبرة إلا بوجود رجل، {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ} ، فقط الميزة بيني وبينكم أنه يُوحى إليَّ فقط، وإلا فهو رسول - صلى الله عليه وسلم - بشر يأكل ويشرب ويتزوج ويكون له الأولاد، بل إن عنده - صلى الله عليه وسلم - من المعاناة أشد مما عليك أنت أيها الإنسان العادي؛ (أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ) [1] . النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في مرض موته، هذا آخر حركة له في هذه الدنيا، لما رجع من دفن واحد من الصحابة دخل شاكيًا رأسه، فقالت عائشة له:"وارأساه"، قال لها: (بل أنا وارأساه) [2] ، وقال: (إني أُوعَكُ كما يُوعَكُ رجُلانِ منكم) [3] ؛ عندما يتألم النبي - صلى الله عليه وسلم - من مرض في رأسه، يصاب بألمٍ مضاعف عمّا تصاب أنت، لأن عليه البلاء أشد.
الناس من جهلهم، يظنون أن العطاء الإلهي يكون بأن يعطيه الله ويمدُّه ويوسع عليه، وليس كذلك؛ الله سلب رسولنا أباه، وسلبه أمه، لم يرزقه الولد. نصف سورة الأحزاب، التي في شطرها الأول، تتحدث عن أعظم فتنة أصابت مجتمع المدينة وهي فتنة الأحزاب، ويشطر القرآن السورة بين هذه الفتنة التي كادت أن تجتاح المجتمع النبوي، ويقرنها بمشكلته في بيته؛ فبعد أن ينتهي من قوله: {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا} ، قال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} .
أنا أريد أن أسأل؛ الإنسان عندما يطلب شيئًا جميلًا، هل يذهب إلى شيءٍ يتخيله أم إلى شيءٍ رآه؟ إلى شيءٍ رآه؛ يعني لو جئت بواحد في البادية، وقلت له: ماذا تريد من النعيم؟ فيقول لك: بيت شعر جميل ومفروش، وهكذا. ليس معقولًا يتخيل قصرًا من قصور الملوك في المدينة، لا يعرفها ولا يتخيلها. فلا يذهب اللسان إلا ما يتخيل الذهن، والذهن في النهاية محصور بما مرَّ عليه من أمثلة؛ ولذلك لما الله أراد أن يتحدّث عن نفسه، قال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ، هو غير كل شيء ترونه، فقطع هذا. ولأن الإنسان لا يمكن أن يذهب ذهنه إلا لما رآه، يظل يطوره قليلًا، ولكن في النهاية هو أسير ما يراه.
فتصوروا هؤلاء النسوة أمهات المؤمنين، ما هي الدنيا التي يطلبنها؟! مع ذلك الله يقول: إذا تعلقتن بالدنيا مثل هؤلاء الناس: فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ
(1) صححهُ الألباني في صحيح الجامع: (993) .
(2) صحيح البخاري: (5666) .
(3) صحيح البخاري: (5648) ، صحيح مسلم: (2571) .